علي بن أحمد المهائمي

467

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

مفارقتنا إيّاه ، فنحن معه بالتضمين وهو معنا بالتّصريح ، فإنّه قال : وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ [ الحديد : 4 ] ، ونحن معه بكونه آخذا بنواصينا ، فهو اللّه تعالى مع نفسه حيثما مشى بنا من صراطه ، فما أحد من العالم إلّا على صراط مستقيم وهو صراط الرّبّ تعالى ، وكذلك علمت بلقيس من سليمان ؛ فقالت : لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [ النمل : 44 ] ، وما خصّصت عالما من عالم ] . ثم أشار إلى وجه تخصيص فرعون رب بني إسرائيل للإيمان به ؛ فقال : ( وكان فرعون تحت حكم الوقت ) أي : حكم الرب الذي له السلطنة في الوقت ، وهو الاسم الخاص ببني إسرائيل ، ( حيث قال : آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ ) ، فقيد إيمانه بالذي آمنت به بنو إسرائيل من أسماء اللّه تعالى لما رأى السلطنة له في إنجائهم من الغرق ، ( فخصص ) هذا الرب ، وإن كانوا مطلقين لما كان إيمانهم برب موسى وهارون ، وهما لا يتقيدان في الإيمان باسم دون اسم لما في التخصيص من الكفر بالأسماء الباقية ، وهو في معنى الكفر باللّه بالكلية ، ولكنه ( إنما خصص لما ) توهم أن هذا التخصيص في معنى التعميم لما ( رأى السحرة قالوا في إيمانهم باللّه ) الجامع على قولهم : آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ * رَبِّ مُوسى وَهارُونَ [ الشعراء : 48 ، 47 ] ، وسمع من موسى وأصحابه فوزهم ، فظن أنه في معنى التعميم ، ولكنهم إنما أتوا به بعد التصريح بالتعميم وبالجملة ، فقد قصر إسلام فرعون عن إسلام بلقيس . ( فكان إسلام بلقيس إسلام سليمان ) في علو الرتبة ( إذ قالت مع سليمان ) ، وإن لم يكن لإيمانها هذه الرتبة بذاتها أمكن أن تكون له هذه الرتبة بالتبعية ، كعبد الوزير يمكنه أن يدخل بتبعية الوزير المواضع المخصوصة للسلطان ما لا يمكنه أن يدخلها لو انفرد ( فتبعته ) ، فما يمر سليمان ( بشيء من العقائد ) المفصلة ( إلا مرت به ) مجملة لكونها ( معتقدة ذلك ) أي : اعتقاد سليمان ، وإن لم يتفصل لها ذلك الاعتقاد ، فتحصل لها تلك الاعتقادات بالتضمين ، كما يحصل لسليمان بالتصريح ، فهذا الفرق بينهما مستمر كالفرق بيننا وبين ربنا في المرور على صراطه ، بل في كوننا معه ، كما أشار إليه بقوله : ( كما كنا نحن ) أي : جملة الناس ( على الصراط المستقيم الذي الرب تعالى عليه ) في أفعاله بنا ، فإنها مستقيمة له ؛ فهي مستقيمة لنا باعتبار تبعيتنا له ، وإن كانت غير مستقيمة لنا باعتبار ما يكتسب منها من الصفات الذميمة أو كانت قبيحة ، وإنما تبعناه ( لكون نواصينا في يده ) ، وإنما لم تكن هذه الجهة جهة الاكتساب لنا ؛ لأنها ضرورية لا اختيار لنا فيها ، والكسب إنما يتعلق بالاختيار ؛ وذلك لأنه ( يستحيل مفارقتنا إياه ) ، وإذا كانت استقامتنا في الأفعال