علي بن أحمد المهائمي

463

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

ولذلك قال : ( لا بطريق الجزاء الوفاق ) « 1 » ؛ فإنه في مقابلة العمل ( والاستحقاق ) ، فإنه من أداء الحق إلى مستحقه ، فلا يسمى هبة ( فهو ) أي : هذا العطاء ( النعمة السابغة ) فوق الجزاء الوفاق وأداء قدر الاستحقاق ، فيكون أكمل النعم ، ولا أكمل فيها مما يكمل النبوة ، وتكميلها إما بتكميل علمها أو بتكميل المعجزات ؛ ولذلك يقول : هي الحكمة السالفة المكملة لعلم النبوة ، وفي نسخة : ( الحجة البالغة ) ، والمراد الأدلة العلمية المنتهية في الآية إلى المطالب ، ( والضربة الدامغة ) المكملة للمعجزات ، فإن ظهور الكرامات على يدي أصحاب النبي من الحجج المانعة للخصوم ؛ لتسكينهم تسكين الضربة الدامغة لا يقدرون على التحرك ، فالضربة الدامغة في حق سليمان عليه السّلام ما ذكرناه من ظهور هذه الكرامة من بعض أصحابه ، وأما الحكمة البالغة ؛ فقد أشار إليها بقوله : ( وأما علمه ) أي : المكمل لنبوته ، ( فقوله تعالى : فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ [ الأنبياء : 79 ] ) . ففضل علمه على علم داود ( مع نقيض الحكم ) الذي هو متعلق علم داود ، والاعتقاد المتعلق بأحد النقيضين إذا كان علما كان الآخر جهلا غالبا ، فكان فضل هذا العلم على علم داود فضل العلم على الجهل ، إلا أنه ليس بجهل ؛ لأن معلومه وإن كان نقيض الحكم الصواب ، حكم مؤتى له من عند اللّه إذ كان يجب عليه العمل به ؛ لحصوله من العلم المؤتى له من اللّه تعالى بسبب اجتهاده بحيث يجب عليه أن يعتقده ويفتي به ؛ وذلك لأن ( كلا أتاه اللّه حكما وعلما ) بحيث أوجب على كل واحد منهما أن يعمل بما أوتي ويعتقد ويفتي به ، ( فكان علم داود ) أي : اعتقاده مع تعلقه بنقيض الصواب ( علما مؤتى ) حصل له باجتهاده الخطأ ، لكن لم يؤته بالاجتهاد والنظر ، بل ( أتاه اللّه ) بإفاضة النتيجة بعد النظر والاجتهاد ، ولكنه أخطأ بمخالفة علم اللّه تعالى في المسألة . ( وعلم سليمان علم اللّه في المسألة ) بحيث ( إذا كان ) اللّه ( هو الحاكم بلا واسطة ) من حكام الخلق يحكم بحكم سليمان لا بحكم داود ، وإن أوجب عليه أن يعمل بما يراه من الخطأ ويعتقده ويفتي به وجعله علما مؤتى له ، ( فكان سليمان ترجمان حق ) بين علمه وحكمه ( في مقعد صدق ) ، أي : نائبا منابه في هذا الأمر دون داود ، وإن كان منصوصا عليه بالخلافة ، فكان مكملا خلافته ونبوته ، ولا يبعد أن تكون الاعتقادات المتعلقات بالنقيضين علمين ، فإن له نظيرا عندنا أشار إليه بقول : ( كما أن المجتهد المصيب لحكم اللّه ) .

--> ( 1 ) أي : الجزاء الموافق للأعمال وجزاء الاستحقاق بحسب العمل ، يعني أن وجود سليمان هبة اللّه لداود والفعل الذي حصل على يد بعض أصحابه في بلقيس ، سليمان هبة اللّه لسليمان لذلك لم يظهر على يدي نفسه ، إذا لو ظهر لتوهم أن ذلك مقابلة عمله لا بطريق الإنعام . ( شرح القاشاني ص 239 ) .