علي بن أحمد المهائمي

440

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

لكونه من كامل ؛ فلا ينبغي أن يتوهم فيه ذلك ، فإن الحكيم لا يفعل بدعاء الكامل الإعراض ؛ ( ولذلك جاء بالاسم الحكيم ) في آخر هذه الآية ، وكيف يفعل الحكيم الإعراض عن دعاء الكامل ، ( والحكيم هو الذي يضع الأشياء في مواضعها ) ، وليس دعاء الكامل موضعا للإعراض ، وهو إما يعذب أو يعفو بمقتضى الحكمة ، ( إذ لا يعدل بها ) أي : بالأشياء ( عما تقتضيه ) بلا واسطة ، ( وتطلبه ) بالواسطة ( حقائقها ) لا باعتبار كليتها فقط ، بل باعتبار اتصافها ( بصفاتها ) المفيدة لها الشخصية أيضا ، فتفعل ما ترتب على كل صفة منها . ( فالحكيم العليم بالترتيب ) أي : بما ترتب على كل صفة من الأفعال العامل بمقتضى ذلك ، فلما كان في السؤال بهذه الآية ، وتأخير الإجابة لهذه الأسرار ، ( فكان صلّى اللّه عليه وسلّم يردد هذه الآية على علم عظيم من اللّه ) لا من عيسى عليه السّلام ، وإن كان قد بدأ بها ، ( فمن تلا فهكذا يتلو ) متأملا في أسرارها ملحّا بها على ربه ، ( وإلا فالسكوت أولى به ) ؛ لئلا يدخل تحت قوله تعالى : وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ [ يوسف : 15 ] ، سيما من يتأتى منه التأمل والعمل فترك تكاسلا . ثم أشار إلى أنه لا ينبغي ترك الدعاء عند استبطاء الإجابة ؛ فقال : ( وإذا وفق اللّه عبدا إلى نطق ) أي : دعاء صادر عن قلبه الذي هو النفس الناطقة ( بأمر ما ) من الأمور العظام أو الصغار ، ( فما وفقه إليه إلا وقد أراد إجابته ) بنحو لبيك عبدي ، ( وقضاء حاجته ) التي طلبها بالدعاء في وقت ما ؛ لأن الدعاء مخ العبادة ، وكل عبادة لها جزاء ، وجزاء الدعاء الإجابة وقضاء الحاجة ، ( فلا يستبطئ أحد ما يتضمنه ما وفق له ) ، إذ أمر بتضمنه دعاء وفق له من عباد اللّه بتكميل نفسه الناطقة ، فإنه لا بدّ من وقوعه ، وإن تأخر ولا يتوهم في ذلك نقصا ، بل ( ليثابر ) أي : ليواظب ( مثابرة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ) مع جلالة شأنه ، فإنه ثابر ليلة كاملة على هذه الآية ؛ ( ليثابر ) أحدنا على الدعاء ( في جميع أحواله ) سواء كان قلبه صافيا أو غير صاف ، فإنه ربما يحصل له الصفاء بالمثابرة على الدعاء ( حتى يسمع ) الإجابة ( بأذنه ) الظاهرة إن حصل له كشف صوري ( أو بسمعه ) القلبي إن حصل له كشف معنوي ( كيف شئت ) أي : بقي لك اختيار في هذه التصفية الحاصلة عن المثابرة في الدعاء . ( أو كيف أسمعك اللّه الإجابة ) إن لم يبق لك اختيار ؛ لاستغراقك في الدعاء أو المدعو ، وهذا التفصيل فيما بقي فيه الاختيار ظاهر ؛ لأنه إجابة لمراد هذا العبد في دعائه ، وأما فيما لم يبق فيه الاختيار ( فإن جازاك بسؤال اللسان ) « 1 » لجريان الألفاظ عليه مع

--> ( 1 ) أي اللسان الذي هو من مقولة الحرف والصوت الصادر من اللسان الجسماني . [ جامي ص 359 ] .