علي بن أحمد المهائمي
431
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
اعْبُدُوا اللَّهَ [ المائدة : 117 ] ، وإنما ذكر التثنية للإشارة إلى أن هذه اللطيفة الدقيقة لا تكاد تنكشف على الأولياء إلا بواسطة الأنبياء وتبينهم ، بل لا تنكشف لكل نبي إلا لمن غلبت عليه الروحية الإلهية . ( فجاء ) في بيان المعبود ( بالاسم ) الجامع ( اللّه ) ؛ ليشير إلى أنه يأمر كل عابد أن يعبد من الأسماء الإلهية ما تتأتى له عبادته في استعداده مع أنه لا يمكن التنصيص على تلك الأسماء بأعيانها ، فاقتصر على ذكر الاسم الجامع لها ؛ وذلك ( لاختلاف العبادة ) من العباد من حيث استنادهم إلى الأسماء الخاصة الطالبة للعبادة المخصوصة ، ( واختلاف الشرائع ) الموجبة لاختلاف العبادات ، وهو عليه السّلام ، وإن خص شريعته ؛ لكنه علم أنها تنسخ بشريعة نبينا عليه السّلام ، وأنه سينزل في أمته ، فلابدّ من أمرهم بإقامة هذه الشريعة حينئذ ، وقد بشر عليه السّلام قومه بمجيء نبينا عليه السّلام بعده ، فكأنه أمرهم أيضا بمتابعته عند مجيئه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولم يعين لبيان المعبود ( اسما خاصّا ) ، وإن وقعت عبادة كل عابد للاسم الخاص ، بل جاء ( بالاسم الجامع للكل ) « 1 » من الأسماء . [ ثمّ قال : رَبِّي وَرَبَّكُمْ [ المائدة : 117 ] ، ومعلوم أنّ نسبته إلى موجود ما بالرّبوبيّة ليست عين نسبته إلى موجود آخر ، فلذلك فصّل بقوله : رَبِّي وَرَبَّكُمْ [ المائدة : 117 ] ، بالكنايتين كناية المتكلّم وكناية المخاطب ، إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ ، [ المائدة : 117 ] ، فأثبت نفسه مأمورا وليست سوى عبوديّته ، إذ لا يؤمر إلّا من يتصوّر منه الامتثال وإن لم يفعل ، ولمّا كان الأمر يتنزّل بحكم المراتب ؛ لذلك ينصبغ كلّ من ظهر في مرتبة ما بما تعطيه حقيقة تلك المرتبة . فمرتبة المأمور لها حكم يظهر في كلّ مأمور . ومرتبة الآمر لها حكم يبدو في كلّ آمر ] . وإن لم تتأت عبادته إلا من الإنسان الكامل مع أنه أمر للعامة ؛ لأنه علم بالقرينة أنه ليس المراد عبادة هذا الاسم من حيث جمعه ، بل من حيث الأسماء الداخلة تحته ، وإليه الإشارة بقوله : ( ثم قال : رَبِّي وَرَبَّكُمْ [ المائدة : 117 ] ) ؛ وذلك لأنه ( معلوم أن نسبته إلى موجود ما بالربوبية ليست عين نسبته إلى آخر ) ، وكل نسبة تقتضي اسما خاصّا ، فلا يعبد أحدا عند الأمر بعبادة هذا الاسم الجامع سوى الاسم الخاص الداخل فيه . ( فلذلك فصل ) تلك الأسماء نوع تفصيل ، ( بقوله : رَبِّي وَرَبَّكُمْ [ المائدة : 117 ]
--> ( 1 ) الاسم الجامع : هو اسمه تعالى ؛ لأنه اسم الذات المسماة بجميع الأسماء الموصوفة بجميع الصفات ( لطائف الإعلام ص 21 ) .