علي بن أحمد المهائمي
429
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
الإنسانية ، فإنهما من حيث هما من التفرقة الصرفة المانعة ثبوت ذلك لهما ، فهو إنما يتصور باعتبار الجمع ، فقال : ( إن كنت قلته ) أي : باعتبار الجمع ، ( فقد علمته ) حتى أنه لو فرض عدم علمك بالحوادث الزمانية ، لوجب أن تعلم هذا ؛ ( لأنك أنت القائل : في صورتي ) بهذا الاعتبار . ( ومن قال أمرا ؛ فقد علم ما قال ) ، وإن جاز أن يكون من خلق شيئا لا يعلمه لو خلقه بالواسطة على زعم الفلاسفة في الحوادث الزمانية أنها مستندة إلى الحركات السماوية ؛ وذلك لأنه ليس هذا القول الإيجاد الكلام في غير كما تقوله المعتزلة أنه تعالى متكلم بكلام يوجده في جسم آخر ، بل ( أنت اللسان الذي أتكلم به ) بالنظر إلى هذا الجمع ، وإن قورن بالفرق من حيث نسبة اللسان والكلام إليّ ( كما أخبرنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن ربه ) لا بلسان الحال بل ( في الخبر الإلهي ) الذي سمعه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن الحضرة الجامعة ، ( فقال : « كنت لسانه الذي يتكلم به » ( 1 ) ، فجعل هويته باعتبار الجمع عين لسان المتكلم ) ، ويلزمه كون كلامه عينية صورة المرآة لصور الشخص المحاذي لها ، وإن قارن هذا الجمع بالتفرقة إذ ( نسب الكلام إلى عبده ) ، ولكن باعتبار الجمعية لا يكون من قبيل خلق الكلام في محل مغاير أو بواسطة ؛ فيلزمه العلم لا محالة ، فلا وجه لاستفهامه بالنظر إليها . ( ثم تمم العبد الصالح يعني : عيسى عليه السّلام الجواب ) بإلحاق ما يفيد فوائد زائدة من إثبات العلم للّه ، باعتبار استقراره في مقر غيره ، وباعتبار ظهوره في الظهر الجامع ، ونفيه عن عيسى باعتبار هويته المشيرة إلى الفرق ، وإن أخذ مع الجمع ، بل إنه يعلمه باعتبار الجمع فقط ، ولكنه لا يكون علما محيطا بالغيوب ، بقوله : تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي [ المائدة : 116 ] ، فبتعلم ما فيها من صورة كلامك كيف ( والمتكلم ) باعتبار الجمع سيما في الكلام النفسي ( الحق ولا أعلم ما فيها ) أي : ما في نفسي باعتبار الفرق ، وإن قورن بالجمع حتى صح فيها أنها نفس الحق فأصغت إليه تعالى ، وإنما هي لعيسى نسبت إليه نسبة يد العبد ولسانه إليه . ( فنفى العلم عن هوية عيسى عليه السّلام ) المشيرة إلى الفرق لا من حيث إنه قائل بذلك القول باعتبار الجمع ، ولا ( من حيث إنه ذو أثر ) بهذا القول في الإحياء والإبراء ، فإنه ليس باعتبار الهوية بل باعتبار الجمع ، إذ لا بدّ للتأثير من كونه صورة الحق ، فلا يمكن نفي العلم من تلك الجهة . ثم قال : إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ [ المائدة : 116 ] ، ( فجاء بالفصل والعماد ) أي : بالضمير المسمى ضمير الفصل عند نحاة البصرة ، وبالعماد عند نحاة الكوفة تأكيدا للبيان ؛ ليدل على أن الإحاطة بالمغيبات في اللّه على سبيل الجزم ، فلا يكون للعبد ، وإن بلغ مقام الجمع أصلا ، وإنما يكون له شيء منه بعد انقشاع التجلي الجمعي ، واعتمادا عليه لا