علي بن أحمد المهائمي
421
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
تكوّن من كلّ سماء من الملائكة فهو منها ، فهم عنصريّون ومن فوقهم طبيعيّون ، ولهذا وصفهم اللّه بالاختصام أعني الملأ الأعلى ؛ لأنّ الطّبيعة متقابلة ، والتّقابل الّذي في الأسماء الإلهيّة الّتي هي النّسب إنّما أعطاه النّفس ] . ( فالعناصر ) أي : النار والهواء والماء والتراب ( صورة من صور الطبيعة ) ؛ لأنها من عالم الكون والفساد ، فالفعل والانفعال فيها أظهر وما فوق العناصر ، وفوق ما تولد عنها من المركبات منها ، ومن أرواحها وقواها ، إذ هي في حكم العناصر ، وإن تجردت في ذواتها ، فهو أيضا من صور الطبيعة إذ اختلاف أفعالها من صورها ، فهي صور الطبيعة ، وإن كان المشهور انحصار الطبيعة في أعراض العناصر والمركبات منها ، ( وهي ) أي : ما فوق العناصر ( الأرواح العلوية ) ، وليس المراد منها أرواح السماوات السبع كما تقوله العامة ، بل هي ( التي فوق السماوات السبع ) البعيدة عن العنصرية ؛ فلذلك لا تفارق أجرامها ، ولا تحترق تلك الأجرام ، وتلك الأجرام ، وإن لم تكن عنصرية ؛ فهي مناسبة لها بخلاف أرواحها ؛ فلذلك لم يذكرها ، ( وأما أرواح السماوات السبع وأعيانها ) أي : أفلاكها ، ( فهي عنصرية ) ، وإن أجمع أكثر الفلاسفة على أن هذه الأفلاك ليست عنصرية فضلا عن أرواحها . واستدل على كون السماوات السبع عنصرية بقوله : ( فإنها من دخان العناصر ) على ما هو مذهب المسلمين ، وقدماء الإشراقيين بموجب قوله تعالى : ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ [ فصلت : 11 ] ، وهي دخان الآية ، والدخان ، وإن لم يكن إحدى العناصر الأربعة ، فلا شكّ في تولده منها كما قال ( المتولد عنها ) . وقد روي أنه تعالى خلق جوهرا ؛ فنظر إليه بعين الهيبة ، فذاب فصار نصفه ماء ونصفه نارا ، فتموج الماء بالنار ، فارتفع منه دخان صار منه السماء ، وتلطفه بعضه ، فصار منه الهواء . ثم أشار إلى عنصرية أرواحها بقوله : ( وما تكون عن كل سماء من الملائكة ) ، وإن لم تكن أجسامها ، ( فهو منها ) كالقوى الجسمانية والأرواح الحيوانية ، ( فهم عنصريون ) حاملون طبائعها ؛ فلذلك تفارق أجرامها ، وتحترق كما ورد به الشرع ، فالأثر به فيها أظهر ( ومن فوقهم ) من الأرواح العلوية ( طبيعيون ) ، وإن أنكر جمهور الفلاسفة ، ولم يظهر لها معنى الأثر بمفارقة أجرامها ؛ فقد ظهر فيها اختلاف الأفعال . ثم استدل على طبيعتها لكونها خلاف المشهور بقوله : ( ولهذا وصفهم اللّه بالاختصام ) ، وهو إما فيما بينهم باعتبار التقابل الذي في أفعالهم ، أو في اعتراضهم على اللّه في خلق آدم ، وذلك قوله تعالى : ( ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى إِذْ يَخْتَصِمُونَ ) [ ص : 69 ] ، وهم الأرواح العلوية ؛ ولذلك بيّن الضمير في قوله : « وصفهم » بقوله : ( أعني :