علي بن أحمد المهائمي

411

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

إشارة إلى أنه لو كان اللّه حالا فيه أو متحدا لكان إحياء الجميع منسوبا إليه مع أنه لا ينسب إليه إحياء الجميع بالاتفاق . ( ولذلك نسبوا ) فنسبوا أي : القائلون بالحلول والاتحاد ( إلى الكفر ) بهذا القول لا يجعله مظهرا إلهيّا كما يقوله الصوفية ؛ وذلك لأن الكفر ( هو الستر ) الذي هو نقيض الظهور ، فلا يتأتى في القول به ؛ ( لأنهم ستروا اللّه الذي أحيا الموتى ) ظاهرا في المظهر العيسوي ( بصورة بشرية عيسى عليه السّلام ) ، إذ جعلوا هذه الصورة محلا لذاته ، وليس محليتها للذات كمحلية الجوهر للعرض ، إذ يبعد القول بجعل ذات الحق عرضا لذات غيره بحيث لا يوجد بدونها ، ولا هي كمحلية المكان للمتمكن . ولا شكّ أن المكان سائر للمتمكن غالبا ، وكذا إذا جعلوا ذات الحق متحدة بذات عيسى مع أنهم يرون عيسى في صورة بشريته ، وهذا المعنى في الاتحاد أتم وأعم ؛ فقال تعالى : لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ [ المائدة : 17 ] ، فكفرهم في جعلهم جهة الربوبية متحدة بجهة البشرية ، وإليه الإشارة بقوله : ( فجمعوا بين الخطأ ) في جعل الجهتين المختلفتين متحدة ، ( والكفر ) اللغوي يجعل الذات الإلهية الظاهرة في صورة بشرية عيسى مستورة فيها ، وهو نقيض مقتضى الظهور ( في تمام الكلام ) ، وهو قوله : إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ [ المائدة : 17 ] . ثم قال : ( كله ) ؛ دفعا لتوهم تمامه عند قوله : هو المسيح ، ولو فرض منقطعا عنده يشعر باتحاد الجهتين الموجب للخطأ والكفر ؛ لأن ذكر المسيح يحتمل أن يكون لبيان المظهر ، فكأنهم قالوا : إن اللّه هو الظاهر في هذا المظهر كأنه عينه ، فإذا قيل : ابن مريم ؛ فهذا الوصف ليس لبيان المظهرية بل بيان لجهة البشرية ، فهو مشعر باتحاد الجهتين لدلالته على أنه من جهة كونه ابن مريم هو اللّه ، إذ لا دخل لكونه ابن مريم في المظهرية ، حتى يفهم منه المبالغة في كونه كأنه هو الظاهر فافهم ؛ لأنه ( لا بقولهم : هو اللّه ) المشعر بانفراد جهة الإلهية وإن فرض ظهورها في المسيح ، ( ولا بقولهم : ابن مريم ) المشعر بانفراد جهة العبودية . والكناية تعود إلى الموجود والقضية مهملة في قوة الجزئية ، أي : بعض الموجودات اللّه وهو الموجود المطلق ، وبعض الموجودات ابن مريم وهو من الموجودات المقيدة ، ويحتمل أن تعود الكناية إلى المحيي أي : المحيي حقيقة هو اللّه ، والمحيي تسببا هو المسيح ؛ لأنه أتى بالنفخ والدعاء سببين له وهو وإن لم يجر له ذكر لكن الإحياء موجب لهذه الحيرة ، فكأنه مذكورا ، فإذا جمعوا بين الكلامين صار المعنى أن اللّه الموجود المطلق هو المسيح من الموجودات المقيدة ، أو أن اللّه المحيي هو المسيح المحيي من حيث كونه ابن مريم ، فجعلوا