علي بن أحمد المهائمي
395
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
كالجامع بين النبوة والولاية ( أخرج هذا الخطاب الإلهي ) أي : الذي خاطب اللّه به عبده ، وهو لا يشأ بخطأ له من ليس من أهل اصطفائه ، وإنما خاطب إبليس بواسطة الملائكة عنده أي : عند سؤاله عن أو غير مكروه ولا محال ، وإن كان هذا الخطاب مصبوبا في قالب الزجر والعنف جاريا مجرى الوعيد ( في قوله : لأمحونّ اسمك عن ديوان النبوة مخرج الوعد ) بتفويض رتبة أخص من المسلوبة ، فصار ما هو إنشاء وعيد في الصورة خبرا يدل على حصوله علو رتبة في ولايته أخص من رتبة النبوة ، ومع ذلك هذه الرتبة باقية ، ورتبة الولاية العامة ، وإن بقيت لا تبلغ هذه الرتبة . إذ ( هي الرتبة الباقية على الأنبياء والرسل ) الذين لا ينزلون عن رتبة أعلى إلى أدنى سيما إذا انتقلوا إلى الدار الآخرة ، فيؤتون هذه الرتبة من الولاية ( في الدار الآخرة ) عوضا عن نبوتهم ورسالتهم لانقطاعهما بالكلية ؛ لأنها الدار ( التي ليست بمحل لشرع يكون على أحد من خلق اللّه ) لا نبي مشرع ، ولا مشرع له ، ولا مجتهد ، ولا عامي بعمل شيء من ذلك ( في جنة أو نار ) ، وهما دار الجزاء المترتب على ذلك العمل ، فلو كان ثم عمل لكان لأهلها دار جزاء أخرى ، فلا يتصور شرع يعمل به أحد ( بعد الدخول فيهما ) بخلاف ما قبله ؛ فإنه ليس بدار جزاء ، فيتصور فيه التكليف بل هو واقع . [ وإنّما قيّدناه بالدّخول في الدّارين الجنّة والنّار لما شرّع يوم القيامة لأصحاب الفترات والأطفال الصّغار والمجانين ، فيحشر هؤلاء في صعيد واحد لإقامة العدل والمؤاخذة بالجريمة والثّواب العملي في أصحاب الجنّة ، فإذا حشروا في صعيد واحد بمعزل عن النّاس بعث فيهم نبيّ من أفضلهم ، وتمثّل لهم نار يأتي بها هذا النّبيّ المبعوث في ذلك اليوم ؛ فيقول لهم : أنا رسول اللّه إليكم ، فيقع عندهم التّصديق به ويقع التّكذيب عند بعضهم ، ويقول لهم : اقتحموا هذه النّار بأنفسكم ، فمن أطاعني نجا ودخل الجنّة ، ومن عصاني وخالف أمري هلك ، وكان من أهل النّار ؛ فمن امتثل أمره منهم ورمى بنفسه فيها سعد ونال الثّواب العملي ، ووجد تلك النّار بردا وسلاما ، ومن عصاه استحقّ العقوبة فدخل النّار ، ونزل فيها بعمله المخالف ليقوم العدل من اللّه تعالى في عباده ] . كما أشار إليه بقوله : ( وإنما قيدناه ) أي : انقطاع الشرع والتكليف المستلزم به انقطاع النبوة التشريعية والرسالة ( بالدخول في الدارين الجنة والنار ) بيّن لئلا يتوهم أن المراد البرزخ والقيامة ( لما شرع يوم القيامة ) ، وهو من وقت النفخة الأولى الثانية إلى دخول الكل الجنة والنار ( لأصحاب الفترات ) أي : الذين كانوا في وقت فترة النبوة ومحو شرائع الأنبياء لم تبلغهم دعوتهم ولا شرائعهم .