علي بن أحمد المهائمي

389

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

وقوله : وَلا يُزَكِّيهِمْ ، * فإنه يدل على أنه يزكي غيرهم ، وقوله : وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ [ الأنعام : 14 ] ، فإنه يقرب من معنى الصائم ( على عباد اللّه ) الأنبياء الأولياء ( دنيا وأخرى ) قبل دخول الجنة والنار وبعدها . وقد شاركهم فيه مولاهم ، ( ولم يبق اسم يختص به العبد دون الحق بانقطاع النبوة والرسالة ) بعد دخول الجنة أو النار على ما يأتي بالكلية ، وكذا بموت الأنبياء والرسل الذين بعثوا في الدنيا ، فلم يبق في حقهم وحق الأولياء من أمتهم اسم يدل على العبودية الكاملة التامة ، فانقطع ذوقها فقصم ذلك ظهورهم ( إلا أن اللّه لطيف بعباده ) الأولياء التابعين للأنبياء ترك لهم نصيبا من هذا الاسم جبرا لخواطرهم ، ( فأبقى لهم النبوة العامة ) الأنبياء الأولياء ، وهي الإنباء عن اللّه تعالى ، وعن حقائق الموجودات ( التي لا تشريع فيها ) ، وهو اسم خاص العباد باق فيهم معنى ، وإن لم يجر عليهم لفظا ، وهذا في حق الأولياء وأيضا ( أبقى لهم التشريع ) من غير إنباء عن اللّه ( في الاجتهاد في ثبوت الأحكام ) غير المنصوصة في حق المجتهدين من العلماء ، وأيضا ( أبقى لهم الوراثة في التشريع ) ، وهذا في حق جملة العلماء . ( فقال : العلماء ورثة الأنبياء ) « 1 » والوراثة في الأحكام المنصوصة ظاهر ( وما ثمة ) أي : في المسائل غير المنصوصة ميراث ( في ذلك ) أي : نبوة التشريع ( إلا فيما اجتهدوا فيه من الأحكام ، فشرعوه ) أي : في جعلهم تلك الأحكام لاحقة بالأحكام المنصوصة باجتهادهم ، فإن المجتهد إذا ظن الحكم وجب عليه الفتوى والعمل به عليه ؛ فعلم مما ذكرنا أن الأنبياء جامعون بين النبوة التشريعية والرسالة والولاية . ( فإذا رأيت النبي يتكلم بكلام خارج عن التشريع ) ، فالتكلم في أحوال الصوفية ومقاماتهم ، وفي الحقائق التي لا يصح كشفها للعامة ، وبالجملة ما وراء الأحكام الفرعية والأصلية التي يجب على العامة اعتقادها ، ( فمن حيث هو ولي عارف ) أوردهما ؛ ليشير أن نبوتهم العامة باقية من هذين الوجهين فيهم ، وفي أتباعهم الذين هم في حكمهم ؛ ( ولهذا ) أي : ولبقاء اسم الولي والعارف عليهم بعد انقطاع النبوة التشريعية والرسالة عنهم مع أنهم لا ينزلون عن درجتهم العالية بالإجماع ( مقامه من حيث هو عالم ) بالحقائق ، ( وولي ) عامل بمقتضى علمه يحصل علمه بالكشف ( أتم وأكمل ) منه ( من حيث هو رسول ) مبعوث إلى الخلق أو ( ذو تشريع ) أي : ( شرع ) متسابق أو شرع سابق ، ولكنه مخصوص بولاية النبي لاستقلالها ، وعدم توقفها على أعمال ظاهرة يتابع فيها النبي السابق بخلاف ولاية الولي .

--> ( 1 ) سبق تخريجه .