علي بن أحمد المهائمي

377

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

حكم كلي بأن يحكم على كل عين على حد علمه بها ، وفيها بما أعطته من نفسه ، فلابدّ له من تفصيل هو القدر . وإليه الإشارة بقوله : ( والقدر توقيت ) أي : تفصيل ( ما هي عليه الأشياء ) من استعداداتها للوجود والصفات والأحوال ( في عينها ) بحيث تستوعب الأعيان والصفات والأحوال من غير مزيد للاستعداد على ما يقع ، ولا لما يقع على الاستعداد ، وإذا كان الحكم على حدّ العلم ، والعلم على ما أعطيه المعلوم ، ( فما حكم القضاء على الأشياء إلا بها ) ، ولا ظلم في تقدير القبائح والمعاقبة عليها ، ( وهذا هو عين ) أي : شهود ( سر القدر ) ما خفي منه على العامة ، فعجزوا عن تطبيق التكليف به ، لكنه ( شهودا لمن كان له قلب ) أدرك بنور بصيرته أن حقائق الأشياء واستعداداتها غير مجعولة من حيث هي معلومة بالعلم الأزلي ؛ لأن الجعل للموجود ، وهي معدومة في الخارج حينئذ ، وإن ما يفيض من الحق لا يخالف ذلك أبدا . أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ [ ق : 37 ] ، إلى أهل الكشف ، وَهُوَ شَهِيدٌ [ ق : 37 ] ، حاضر بذوقه في فهم كلماتهم ، وفيه تعريض بمن يتمسك بالمقدمات الجدلية ، فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ [ الأنعام : 149 ] ، لا للمتمسك بالقدر على نفي العذاب ، ولا لنا فيه بإثبات العذاب ، وإذا كان حكم اللّه على حد علمه ، وعلمه على ما أعطته المعلومات ، ( فالحكم ) عليها بالقبائح والمعاقبة عليها ( في التحقيق ) ، وإن توهم ابتداءه بذلك ( تابع لعين المسألة ) أي : جاز عليها لا على ما ورائها ، وإن كان أصلح ، فلا يكون ظلما إذ تلك المسألة غير مجعولة ، بل هي ( التي يحكم فيها بما تقتضيه ذاتها ) ، والجريان بمقتضى الذات لا يكون ظلما ، وإذا كان الحكم تابعا لعين المسألة . ( فالمحكوم عليه ) لكونه حكم عليه ( بما فيه ) ، كأنه حاكم بلسان الاستعداد على ( الحاكم ) الإلهي أن يحكم عليه بمقتضى الجود والحكمة ، وإن لم يلجئه إلى ذلك ؛ ولهذا صار مكتسبا مستوجبا للعقاب ، وإذا كان الحق حاكما على الأعيان بإفاضة مقتضياتها ، فالأعيان حاكم عليه باستفاضة ( ذلك ، فكل حاكم محكوم عليه بما حكم به ) على الآخر ، ( وبما حكم فيه ) أي : في نفسه ، فالحق محكوم عليه من جهة الأعيان أن يفيض بمقتضياتها ، وأن يستفيض علم مقتضياتها ، والأعيان محكوم عليها بإفاضة علم مقتضياتها ، واستفاضة مقتضياتها ؛ ولهذا صار الحق خالقا ، والأعيان كاسبة كان الحاكم من كان ، فإن الحق وإن لم يحكم عليه الخلق في ذاته وصفاته يحكمون في صور تجلياته ثم إياهم . ( فتحقق هذه المسألة ) أي : اعتقد حقيقتها لوضوح مقدماتها من أن الفعل تابع للعلم ، والعلم للمعلوم ، والمعلوم الأزلي غير مجعول ؛ لامتناع حلول الحوادث في العلم