علي بن أحمد المهائمي

365

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

أمكنه ذلك لو لم يصر محجوبا عن الخلق ، وإن رأى الفرق مع الجمع ( في هذا المشهد ) « 1 » الذي هو رؤية أحدية المتصرف والمتصرف فيه ، فقد يمنعه من التصرف بالهمة عدم رؤيته من ينازعه إذ لا معنى للتصرف بها فيمن ينقاد لقوله من غير همة مؤثرة ؛ لأنه لما رأى الكل حقّا مع اندرج الخلق فيه ، فلابدّ وأن يرى الحق ساريا بصوره في أعيان الأشياء مع كونها معدومة في الخارج ثابتة في العلم الإلهي ، وهي باعتبار هذا الثبوت قبلت الصور الإلهية كقبول صورة المرآة الثابتة بمرآة موجودة صورة شخص في الصور الظاهرة في هذه الأعيان ؛ لأنه ( يرى أن المنازع له ) بحسب عرف العامة ( ما عدل ) في قبول الصورة الإلهية ( عن ) مقدار مقتضى ( حقيقته التي هو عليها في حال ثبوت عينه ) في العلم الإلهي ، الذي لا يمكن تغييره ولا تغيير ما فيه ( وحال عدمه ) في الخارج ، فإنه وإن أمكن تغييره إلى الوجود فلا يكون على خلاف ما هو عليه في العلم ، ( فما ظهر في الوجود ) عند الانتقال إليه من العدم ( إلا ما كان له في حال العدم ) لا من حيث هو عدم بل من جهة ( الثبوت ) العلمي ، لئلا ينقلب علمه الأزلي جهلا ، ( فما تعدى ) فيما تسميه العامة نزاعا ( حقيقته ) ، لو تم له الأمر المنازع فيه حتى جعل راجعا إليها بالهمة ، ( ولا أخل بطريقته ) لو لم يقع له ، ولم يتم بعد حتى يجعل بالهمة سالكها . وبالجملة فلا ( فتسمية ) العارف ( ذلك نزاعا ) حتى يتصرف بالهمة إلى ترك النزاع ، لكون نظره إلى الحقائق دون العوارض ، فتسمية ذلك من العامة نزاعا ( أمر عرضي ) بالنظر إلى ما يعرض لهم من الأعراض ، والنظر إلى العوارض مانع عن رؤية الحقائق ؛ لأنه ( أظهره الحجاب الذي على أعين الناس ) من العامة وإن بلغ بعضهم بعض طبقات المعرفة بخلاف أهل المعرفة الكاملة . ( كما قال تعالى : وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ [ الروم : 6 ] ) وهم غير كمّل أهل المعرفة ( لا يَعْلَمُونَ ) الحقائق المكشوفة الخاصة أهل المعرفة في الدنيا ، وللكل في الآخرة وإن كانوا ( يَعْلَمُونَ ظاهِراً [ الروم : 7 ] ) من دقائق حقائق الأشياء وخواصها لكونه ( مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا ) ، أي : مما يتم به أمر المعاش ، فإنه أمر ظاهر ، وإن احتاجوا فيه إلى تدقيق النظر بالنسبة إلى ما يظهر لأهل الآخرة من غوامض الحقائق ، وكيف يظهر للأكثر ذلك ( وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ ) لعدم التفاتهم إليها لكونها غيبا عليهم ، فصارت غفلتهم حجابا لهم عنها ، وكان لفظ الغفلة ( هو من القلوب ) من الغفلة التي هي الحجاب ، ( فإنه ) أي قوله غافِلُونَ كأنه مأخوذ بطريق القلب ( من قولهم قُلُوبُنا غُلْفٌ [ النساء : 155 ]

--> ( 1 ) أي مقام شهود الأحدية والمعرفة التامة .