علي بن أحمد المهائمي
363
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
يرجى عودها بعده . ثم استشعر سؤالا بأن مقتضى ما ذكرتم ألا يورد الجعل على الضعف الثاني في قوله : ( ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً [ الروم : 54 ] ) . فأجاب عنه بقوله : ( فالجعل متعلق بالشيبة ) بالقصد الأول وبالضعف باعتبار اقترانه بها أو للمشاكلة ؛ أو لأنه لما وقع بعد القوة أشبه العارض ، ( وأما الضعف ) من غير نظر إلى هذه الاعتبارات ، ( فهو رجوع إلى أصل خلقه ) ، يكفي فيه عدم العلة الموجبة للأمر العارض ، فلا يحتاج إلى جعل ( وهو ) أي : الدليل على أصالة الضعف ( قوله : خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ) فلم يعلق الخلق بالضعف في أول الأمر بل جعل الضعف من مبادئه ، وإذا كان هو الأصل ، فليس فيه من حيث هو جعل بل غايته الرد إليه ، ( فرده لما خلقه ) أي : إلى ما خلقه ( منه ) ، فالأصل فيه لفظ الرد كما ( قال تعالى : يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً [ النحل : 70 ] فذكر أنه رد إلى الضعف الأول ) على ما هو الأصل لكنه ذكر الجعل في الآية السابقة لما ذكرنا ، وإنما جعل الرد إلى الضعف الأول أرذل العمر ؛ لأنه ضد القوة الفائضة من اللّه الموجبة للعلم من حيث إنه ، إنما يحصل من القوة المدركة الحاصلة من القوة الفائضة على النفس من اللّه تعالى . فلما ذهبت ذهب العلم الذي هو فائدة الحياة ، فصارت أرذل العمر ، وإذا كان الرد إلى أرذل العمر رد إلى الضعف الأول ، ( فحكم الشيخ حكم الأطفال في الضعف ) من حيث إنه أصلي ، وإن عرض بعد القوة ، فيلزم الشيخ ما يلزم الأطفال من الجهل وعدم الهمة البشرية والروحانية جميعا ، هذا إذا رد ويجوز ألا يرد وإن يرد في باب المعرفة والهمة فقط ، ثم يعود إليها وهذا الضعف لازم للأنبياء حين نبوتهم ؛ لأنه ( ما بعث نبي إلا بعد تمام الأربعين وهو زمان أخذه في النقص ) في قواه الجاذبة إلى عالم السفل ( والضعف ) في مزاجه الموجب ضعف تصرف الروح في بدنه بواسطة قواه ، وهو يوجب ذهاب الهمة البشرية ؛ لأنها عن قوة تصرف الروح في البدن بواسطة قواه ؛ ( فلهذا ) أي فلأجل تحقق لوط ضعفه الموجب ذهاب الهمة البشرية ، بحيث لا يرجى عودها بمقتضى الوعد الإلهي والنسبة المستمرة . ( قال : لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً ) بلسان التمني وهو طلب المتمني ، ويبعد من النبي عليه السّلام طلب المحال باعتبار قصده الخاص ، وإن أمكن باعتبار قصده تفهيم العامة ، فهو يطلب بلسان الخصوص ( همة مؤثرة ) روحانية يؤثر بها في العالم بواسطة القوى البدنية ، ( فإن قلت : وما يمنعه من الهمة المؤثرة ) الروحانية حتى يطلبها وهي موجودة فيه لا محالة ، وطلب الحاصل محال ، وكيف لا تكون فيه ( وهي موجودة في السالكين من الأتباع فالرسل ) المتبعون ( أولى بها ) أي : بتلك الهمة المؤثرة أن توجد فيهم ، وضعف القوى البدنية وضعف