علي بن أحمد المهائمي

355

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

( وأما أصحاب النظر ) في المعقولات المحضة ، ( وأرباب الفكر ) الجامعين بين المعقولات والأدلة النقلية ( من القدماء ) أي : الفلاسفة القابلين بتنزيه الحق والنفس ، المانعين من تصورهما بصورة ، ( والمتكلمين ) القابلين بجسميتها من ظواهر النصوص ، فهم ( في كلامهم في ) حد ( النفس ) وحقيقتها ( فما منهم من عثر على حقيقتها ) الجامعة ، كيف ( ولا يعطيه النظر الفكري ) لمنعه من الجمع بين المتقابلين ( أبدا ) ، حتى منعوا في المجردات التصور بصورة لاختصاصها عندهم بالماديات . [ فمن طلب العلم بها من طريق النّظر الفكريّ ؛ فقد استسمن ذا ورم ونفخ في غير ضرم ، لا جرم أنّهم من الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً [ الكهف : 104 ] ؛ فمن طلب الأمر من غير طريقه فما ظفر بتحقيقه ، وما أحسن ما قال اللّه تعالى في حقّ العالم وتبدّله مع الأنفاس « في خلق جديد » في عين واحدة ، فقال في حقّ طائفة بل أكثر العالم : بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ [ ق : 15 ] ، فلا يعرفون تجديد الأمر مع الأنفاس ، لكن قد عثرت عليه الأشاعرة في بعض الموجودات وهي الأعراض ، وعثرت عليه الحسبانيّة في العالم كلّه ، وجهّلهم أهل النّظر بأجمعهم ، ولكن أخطأ الفريقان ، أمّا خطأ الحسبانيّة فبكونهم ما عثروا مع قولهم بالتّبدّل في العالم بأسره على أحديّة عين الجوهر المعقول الّذي قبل هذه الصّور ولا يوجد إلّا بها كما لا تعقل إلّا به فلو قالوا بذلك فازوا بدرجة التّحقيق في الأمر ] . ( فمن طلب العلم بها ) أي : بحقيقة النفس ( من طريق النظر الفكري ؛ فقد ) غلط غلطا شبيها بالصواب كمن ( استسمن ذا ورم ) إذ الدليل العقلي ، وإن استوعب التقسيمات فلا يخلوا عن نقص أو مناقضة أو معارضة غالبا أي : أورام ويظن أنها سمن ؛ بل أفحش منه وهو كمن ( نفخ في غير ضرم ) ، إذ يظن أنه بتدقيق النظر يحصل اليقين وترتفع الشبهات ، ولا يحصل ولا ترتفع إلا بنور البصيرة التي هي بمنزلة النار في المصباح ، ( لا جرم أنهم من الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ [ الكهف : 104 ] ) في ترتيب المقدمات ، وتكثيرها ، وتحريرها ، وتقرير الشبهات وحلها في الحياة الدنيا قبل الوصول إلى كشف الغطاء ، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا بتحرير المقدمات وتكثيرها ، وإيراد الشبهات ورفعها ، وتدقيق النظر في ذلك ، نعم إنما يقع ذلك فيما يدرك بالعقل ، ولا يتوقف على الكشف . ( فمن طلب الأمر من غير طريقه ) كطلب الألوان باللمس ، ولذة الجماع بالقياس على لذة السكر ( فما ظفر بتحقيقه ) ، ولا طريق إلى معرفة النفس سوى الكشف ؛ لقوله تعالى : وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [ الإسراء : 85 ] ، عقيب السؤال عن الروح وكأنه