علي بن أحمد المهائمي

349

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

استحضار معبوده في العبادة ، مع أنه لا بدّ منه لكن بشرط ألا يتقيد بها بل يقول لها هي باللّه ، ويلتزم ذكر ليس كمثله شيء باعتبار ذاته وصفاته في نفس الأمر لنا تقليد الرسل وإلّا معوذ منه . ( وهو ) أي : الدليل على جواز استعمال هذه الحضرة ( قوله عليه السّلام في الإحسان ) الذي هو من أعلى درجات أهل الإيمان بالتقليد المذكور ( « أن تعبد اللّه كأنك تراه » « 1 » ) ، إذ قوله : « كأنك » تدل على التمثيل الذي لا يكون بدون التخيل ، وكذلك قوله عليه السّلام لمن اتصف بالصلاة إلى القبلة ، ( واللّه في قبلة المصلي ) ، وليس في القبلة إلّا بحسب التخيل وإلّا فهو منزّه عن الجهات ، ( فلذلك ) أي : فلجواز التخيل بالشرط المذكور ( هو ) أي : التخيل ( شهيد ) أي : نازل منزلة من شاهد الحق بقلبه عند تجليه الشهود ، كما يشير إليه قوله : كأنك تراه وجعله إحسانا . ثم أشار إلى أن مقلد أرباب النظر العقلي لا يكون ما في السمع ، وإن كان من تقلد به قد قبل الأخبار الإلهية بالتأويلات البعيدة عن ظواهرها ، فقال : ( ومن قلد صاحب نظر فكري ) كالفلاسفة وسائر المتكلمين المانعين من الشهود التخيلي ، ومن الظهور في الصور المختلفة ، ( وتقيد به ) فيه أشار إلى أن من لا يتقيد لا يخرج من تقليد الأنبياء ، ( فليس هو الذي ) أريد بقوله : أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ ، وإن كان ( ألقى السمع ) إلى الأخبار الإلهية بالتأويلات المذكورة ؛ ( فإن هذا الذي ألقى السمع لا بدّ وأن يكون شهيدا لما ذكرناه ) من الصورة المتخيلة بالشرط المذكور ؛ وذلك لأن قوله : وَهُوَ شَهِيدٌ وقع حالا وهو قيد ، فدلّ بطريق المفهوم أن من ( لم يكن شهيدا لما ذكرناه ) ، وإن كان حاضر القلب في زعمه مع الحق ، ولكنه لا يتأتى بدون المشاهدة الحقيقية أو التخيلية ، ( فما هو المراد بهذه الآية ؟ ) ، وإن كان المطلق داخلا في المقيد لكن القيد مانع من دخول ما ليس بمقيد بذلك القيد فيه ، فتقليدهم فاسد خارج عن تقليد الأنبياء . ( فهؤلاء ) المقلدون لأرباب النظر العقلي ( هم الذين قال اللّه تعالى فيهم : إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا [ البقرة : 166 ] ) ؛ لأن الاتّباع ينحصر في اتّباع الأنبياء ، واتّباع أرباب النظر العقلي إذ لا يتبع من له أدنى عقل غيرهما ، ولكن ( الرسل لا يتبرءون من أتّباعهم الذين اتّبعوهم ) على ما جاءوا به لا الذين اتبعوهم في زعمهم بتأويلات أهل النظر ؛ فإنهم متبعوا أهل النظر لا غير ، وإذ علمت أن فيما ذكرت في الحكمة القلبية متابعة الأنبياء الموجبة للنجاة ، بل للفوز بالدرجات ، وفي خلافه متابعة العقلاء المتبرين عن

--> ( 1 ) رواه البخاري ( 1 / 27 ) ، ومسلم ( 1 / 39 ) .