علي بن أحمد المهائمي
340
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
كل عين هوية الحق ، وهي دائمة أبدية ، ( فلا يزال هو له ) أي : التعين لكل عين ( دائما أبدا ) ، وإن تبدلت عليه العوارض بحسب تعاقب مقتضيات تلك الأحوال التي هي الاستعدادات الموجبة لفيضان الوجود والعوارض بحسب السنة الإلهية . [ فإذا حصل له أعني للقلب هذا الاستعداد ، تجلّى له التجلّي الشّهوديّ في الشّهادة فرآه فظهر بصورة ما تجلّى له كما ذكرناه فهو تعالى أعطاه الاستعداد بقوله : أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ [ طه : 50 ] ، ثمّ رفع الحجاب بينه وبين عبده فرآه في صورة معتقده ، فهو عين اعتقاده ، فلا يشهد القلب ولا العين أبدا إلّا صورة معتقده في الحقّ ، فالحقّ الّذي في المعتقد هو الّذي وسع القلب صورته ، وهو الّذي يتجلّى له فيعرفه ؛ فلا ترى العين إلّا الحقّ الاعتقادي ، ولا خفاء في تنوّع الاعتقادات ؛ فمن قيّده أنكره في غير ما قيّده به ، وأقرّ به فيما قيّده به ، إذا تجلّى ، ومن أطلقه عن التّقييد لم ينكره وأقرّ به في كلّ صورة يتحوّل فيها ، ويعطيه من نفسه قدر صورة ما تجلّى فيها إلى ما لا يتناهى ، فإنّ صور التّجلّي ما لها نهاية تقف عندها ] . ( فإذا حصل له ) ولما توهم عود الضمير إلى كل عين مع أن التجلي الشهودي مخصوص ( أعني للقلب ) ، فسره بقوله : أعني لما غلب ( هذا الاستعداد ) أي : مقتضاه من الوجود والعوارض التي فيها ما بعد التجلي الشهودي ( تجلّي له التجلي الشهودي ) أي : المفيد شهود الحق برفع الحجب عن القلب ، وذلك إنّما يتصور ( في ) عالم ( الشهادة ) أي : الوجود الخارجي الذي فيه الحجب ، إذ رفع الشيء فرع ثبوته ( فرآه ) القلب بانطباع صورة ما تجلّى له فيه ، ( فظهر ) القلب المجرد في نفسه ( بصورة ما تجلّى له ) المنطبعة فيه ، فيكون بمقدار التجلي بخلاف التجلي الأول الكائن بمقدار استعداده ، كما قال ( فهو تعالى أعطاه ) في التجلّي الأول ( الاستعداد ) أي : الوجود بقدر الاستعداد كما دلّ عليه ( بقوله : أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ [ طه : 40 ] ) أي : قدر استحقاقه ، فإنّ الخلق هو التقدير ، ولفظ أعطى دلّ على أنه فعله اختيار أو أجرى مشيئته بذلك لا كما يقول الفلاسفة من أنه بطريق الوجوب ؛ وذلك لأن العطاء إنّما يحسن بقدر قابلية المعطي له واستحقاقه . ( ثم ) في التجلّي الثاني في حق من استحق ( رفع الحجب ) عن قلبه رفع الحجاب ( بينه وبين عبده ) ، فليس فيه عطاء يفيد بمقدار قابلية المعطي له ، بل هو رؤية شيء فيرى بمقداره فينطبع ذلك المقدار في المحل فيصير بقدره . ولمّا لم يكن للحق تعالى مقدار في نفسه لعدم تناهيه بل في اعتقاد الرأي ( فرآه في صورة معتقده ) لا محالة ، وإن كان قد يراه بصورة غير معتقدة أيضا ، وليست تلك الصور صورة الحق المطلق ، فليس بمرئي من حيث إطلاقه ، ( فهو ) أي : المرئي ( عين اعتقاده )