علي بن أحمد المهائمي
319
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
صدقهم تدل على طرق دعوتهم ، وذلك لاختلاف استعدادات أممهم في السير . ( فمنهم ) أي : فمن الذين وضعت لهم تلك المذاهب ( قائمون بها ) أي : بمذاهبهم ( بحق ) يسيرون باللّه في اللّه بالأعمال الظاهرة والباطنة ، فلا يحتاجون إلى الركائب من البدن والنفس الحيوانية والناطقة ، التي هي بمنزلة الناقة والفرس الناري والبراق ، ( ومنهم قاطعون بها السباسب ) جمع سبسب ، وهو البيداء ، والمراد أعمال البدن وأخلاق النفس ، ومقامات القلب ، أي : يقطع بها مسافة البعد بينه وبين الحق برفع الحجب الظلمانية والنورية . ثم أشار إلى عدم احتياج الأولين إلى الركائب ، وأنه إنّما يحتاج إليها الآخرون ؛ فقال : ( فأما القائمون ) يعني بمذاهبهم بحق ( فأهل عين ) لا يحتاجون إلى رفع الحجب ، فلا مسافة بينهم وبين الحق ولا بعد ، وإن كان لهم الأعمال والأخلاق والمقامات ؛ فهم لا يلتفتون إليها ، فلا يحتاجون إلى الركائب لكن عصمهم اللّه عن النقائص التي هي أضدادها لقربهم من منبع الكمالات ، فتفيض عليهم أنواره من غير توجه وقصد منهم ، ( وأمّا القاطعون ) يعني بها السباسب ( هم ) أي : فهم حذف الفاء للضرورة ( الجنائب ) الأباعد ، لرؤيتهم أعمالهم وأحوالهم ومقاماتهم واسطة للوصول إلى الحق ، وبينهم وبين الحق حجب ظلمانية ونورانية . ثم أشار إلى أن لكل طريق أثرا في الوصول إلى الحق ، فقال : ( وكل منهم ) أي : من أهل العين ( يأتيه منه ) أي : من مذهبه ( فتوح غيابه من كل جانب ) ؛ فأهل العين تأتيه العلوم اللدنية والتصرفات في خزانة الدنيا والآخرة ، زيادة القرب والمحبة والكرامة ، والجنائب يرفع عنهم الحجب شيئا فشيئا ؛ فيحصل لهم النجاة والفوز بالجنة ، والأحوال السنية الموجبة للحذر بعد الكسب ، إلى أن يصيروا من أهل العين ، فيحصل لهم ما يحصل لأهل العين ، وبالجملة لما استحقا خزانة الغيب لم يكن لهم يد من الفتوح للحديث القدسي : « من تقرّب إليّ شبرا تقرّبت إليه ذراعا ، ومن تقرّب إليّ ذراعا تقرّبت إليه باعا ، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة » « 1 » . ولما فرغ عن بيان السر في كون الناقة آية شرع في بيان سر التثليث في العذاب الذي أصاب بسبب قتلها ، فقال : ( اعلم وفقك اللّه أنّ الأمر ) أي : أمر فتح الغيب ( مبني في نفسه ) وإن لم تعلم به أكثر الخلائق ( على الفردية ) وهي عدم انقسام العدد إلى متساويين ، إذ لا بدّ في ظهور الكثرة عن شيء من وجودها فيه ، فلابدّ من واحد ، ومن عدد وأقله اثنان ، وبهذا تحصل الفردية ( إذ لها ) في أول مراتبها ( التثليث ) إذ الواحد ، وإن لم ينقسم ؛ فليس من العدد والفردية والزوجية من خواص العدد ، ( فهي من الثلاثة فصاعدا ) كالخمسة والسبعة ، ولكن أخذنا بالثلاثة إذ لا بدّ لنا من واحد واثنين ، أمّا الواحد فلامتناع العدد
--> ( 1 ) رواه البخاري ( 6 / 2694 ) ، ومسلم ( 14 / 2061 ) .