علي بن أحمد المهائمي
317
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
الخروج عنها ( نعيم خاص بهم ، إما بفقد ألم كانوا يجدونه ، فارتفع عنهم ) بأن يصيروا كالأموات قبيل الإخراج من النار ، ( فيكون نعيمهم راحتهم عن وجدان ذلك الألم ) ، وإن كان هذا كالعدم ( أو يكون نعيم مستقل زائد ) على دفع الألم عندما أعلموا بقرب الخروج من النار ، فإنّه يكون ( كنعيم أهل الجنان في الجنان ) . وليس هذا في حق المشركين والجاحدين له ، أو لشيء مما يجب الإيمان به إذ كلامنا في المعتقدين في اللّه اعتقادا دل على إحدى الأدلة المذكورة ، والمشرك لما اعتقد ألوهية الغير ؛ فإن كان من الأمور الموهمة ؛ فقد اعتقد في اللّه هو ما اعتقده مما ليس بشيء ، فكأنه لم يعتقده أصلا ، وإن كان من الأمور الموجودة ، ولا شكّ أنه حادث ، فقد اعتقد جواز كون الإله حادثا ، وليس بإله فكأنه لم يعتقد إلهيته أصلا ، والجاحد له أمره ظاهر في عدم الاعتقاد ، وأما الجاحد لما يجب الإيمان به فجاحد اليوم الآخر جاحد لدوام إلهيته عليه ، وجاحد الأنبياء جاحد اليوم الآخر إذ لا يعرفه بدونهم ، وجاحد الملائكة والكتب الإلهية ، جاحد للنبوة وجاحد القدر جاحد للعلم الإلهي الذي به إلهيته . فإن سلم صحة اعتقاد الجاحد لشيء يجب الإيمان به مع ما يعارضه مما ذكرنا ؛ فنقول : المراد أنهم تنحدر جلودهم حالة النضج والتبديل ؛ فلا يجدون الآلام في تلك الحالة ، وربما يجد بعضهم في تلك الحالة نعيما خياليّا كما يراه النائم ، حتى إذا بدلت جلودهم عادت الآلام عليهم . وقد صرّح بذلك في « الفتوحات المكية » في الباب الثاني والستين في مراتب أهل النار ، وإليه يشير قوله تعالى : كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ [ النساء : 56 ] فلو حصل لهم العذاب حالة النضج لم يحتج إلى التبديل ، وربما يشير إليه قوله تعالى : إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ [ هود : 107 ] في سورة هود عليه السّلام بعد قوله : فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ [ هود : 106 ، 107 ] . وربما يشير إليه أيضا قوله تعالى : فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذاباً [ النبأ : 30 ] ؛ فإنه لا بدّ للزائد من المزيد عليه ، وهو النعيم الواقع في الأزمنة القليلة المتخللة بين أزمنة العذاب الكثيرة التي لا يعقل معها أزمنة النعيم لغاية قلبها ؛ فافهم ، فإنه مزلة للقدم . ولما فرغ عن بيان الحكمة الأحدية والواصل إليها ، فتح ما اختزنته من الكثرة التي فيها بالقوة كالعدد في الواحد ، شرع في الحكمة الفاتحية المخرجة لما فيها بالقوة إلى الفعل ؛ فقال :