علي بن أحمد المهائمي
309
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
تجلّى له الحقّ فيها عرفه وأقرّ به ، وإن تجلّى له في غيرها أنكره وتعوّذ منه وأساء الأدب عليه في نفس الأمر ، وهو عند نفسه أنّه قد تأدّب معه ] . ( فقال ) تعالى للأسماء : ( « اليوم أضع نسبكم » ) إلى الأعيان ( « وأرفع نسبي » « 1 » ) أي : أظهر انتسابكم إلى صوري وفسره بقوله : ( أي : أخذ عنكم انتسابكم إلى أنفسكم ) أي : معانيكم الخاصة بكم باعتبار نسبكم إلى الأعيان ، ( وأردكم إلى انتسابكم إليّ ) أي كان لكم نسبتان : نسبة إليّ ونسبة إلى الأعيان فجعلتها واحدة إحداهما باعتبار باطني ، والأخرى باعتبار ظاهري لئلا يتوهم أن المراد بوضع النسب إهانته وبرفعه تعزيزه ؛ لأن نسبة الأسماء إلى الحق عزيزة دائما ، والأخرى ذليلة دائما ؛ فلا معنى لذكر ذلك . ثم قال الشيخ - رحمه اللّه : ( أين المتقون ؟ ) أي : الذين يعرفون انتساب الأسماء إلى الحق باعتبار انتسابها إلى صور الموجودات ، إذ هم الذين رأوه ظاهر الأشياء ، وإليه الإشارة بقوله : ( أي : الذين اتخذوا اللّه وقاية ) بحيث يخفى فيه عندهم جهة الخلق بالكلية ، ( فكان اللّه ظاهرهم ) ، ولما أوهم أن ظهوره فيهم كظهوره في سائر الأشياء رفعه بقوله : ( أي : عين صورهم الظاهرة ) بحيث لا تطابق صورهم الحق بقدر الطاقة البشرية وبذلك صاروا متقين عن الشرك الخفي أيضا ، وهذا أعني قوله اليوم : أضع نسبكم إلى قوله : أين المتقون اقتباس لطيف موهم مأخوذ مما يروى في الأخبار في تفسير قوله تعالى : فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ [ المؤمنون : 101 ] ، ومعناه : اليوم أبطل افتخاركم بانتساب بعضكم إلى بعض ، وأرفع افتخار من كان منتسبا إلى طاقته ، وهم المتقون . ولكمال ظهور الحق فيه ( هو أعظم الناس ) قدما أي : سبقا إلى مراتب القرب ( وأحقه ) أي : أتم في ظهور صفات الحق ( وأقواه ) في التصرف بالحق ( عند الجميع ) أي : عند جميع من علمه وعلم حاله ، وهذا المعنى منسوب إلى الحق ، ويعرف كون أسماء الحق منسوبة إليه باعتبار انتسابها إلينا أيضا ، ( وقد يكون المتقي من جعل نفسه وقاية للحق ) بأن صار ظاهر الحق ، وصار الحق باطنه فينسب إليه الحق ، وهو لا ينسب إلى الحق ، كما في قوله : « كنت سمعه وبصره ويده ورجله ولسانه » . ( وهوية الحق قوى العبد ) فكان سمع العبد وبصره وسائر قواه ظهرت في مرآة الحق ، وصورة المرآة متحدة بالمرآة سيما إذا كانت عين صورة تلك المرآة لكنها مضافة إلى ذي الصورة ( فجعل مسمى العبد ) ، وهو المجموع من الصورة ، والعين الثابتة ( وقاية لمسمى الحق ) ، وهو الوجود الحقيقي ؛ لأن صورة المرآة تستر المرآة ، والساتر وقاية على المستور ،
--> ( 1 ) رواه الحاكم في « المستدرك » ( 2 / 305 ) ، والبيهقي في « شعب الإيمان » ( 4 / 289 ) .