علي بن أحمد المهائمي

307

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

به ظهوره بالفعل إذا ( به نحن نحتذي ) بعد أن كان في ذاته بالقوة ، فظهوره بهذا الاعتبار عينه ، فكل ما ظهر في الوجود كان فيه كامنا ( فيه منه ، إن نظرت بوجه ) وهو كون كل ما ظهر عينه باعتبار ما كان كامنا في ذاته ، ( تعوذي ) أي : استعاذتي ؛ فلذلك قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « أعوذ بك منك » « 1 » . وإذا كان كل ما ظهر عنه كان فيه بالقوة قابلا للخروج عنه بالفعل ، وفي خروجه ظهور للحق وأسمائه وراء ما له في ذاته ، كان ذلك كالكرب ، ( ولهذا الكرب ) أي : الأمر الذي يشبه الكرب ( تنفس ) أي : أخرج ما فيه ليصير كالمستريح منه إخراج النفس هو للاستراحة عن حرارة اجتمعت في الباطن . قال عليه السّلام : « إني لأجد نفس الرحمن من قبل اليمن » « 2 » أي : أجد النفس في حقي من جهة اليمن والقوة ، ( فنسب النّفس إلى الرحمن ؛ لأنه ) أي : اللّه تعالى ( رحم به ) أي : بإخراج النفس ( ما طلبته النسب الإلهية ) أي : الأسماء التي بها الحقيقة الموجبة لانتسابه إلى العالم مع غناه في ذاته عنه ، فكان ذلك الطلب كالكرب ( من إيجاد صور العالم ) لا من حيث هي صور العالم المستغني عنه بل إنما طلبته ؛ لأنها ( التي قلنا هي ظاهر الحق ) أي : صور ظهوره فكأنها مطلوبة للحق أيضا إذ لظهوره يحصل به كمال وراء كمال ظهوره في ذاته ، ( إذ هو الظاهر ) لا الأعيان ، إذ لا ظهور لها من حيث هي عدم ، ومع ذلك هو مستغن عن الظهور . ولذلك ( هو باطنها إذ هو الباطن ) ، إذ لا بطون للعدم ، وكيف لا يستغني ، ( وهو الأول إذ كان ، ولا هي ) شيء فلو لا غناه لم يكن له السبق ، ومع استغنائه عنها ظهر فيها إذ ( هو الآخر ، إذ كان ) عند كونها فيه بالقوة ( عينها ) لكن آخريته ( عند ظهورها ) ، إذ بذلك له يتم له الظهور من كل وجه ، والآخرية تشعر بالنهاية ، ولما كانت آخريته باعتبار ظهوره . ( فالآخر عين الظاهر ) ، باعتبار مقابلة الآخر للأول ، والباطن للظاهر ، ( والباطن عين الأول ) فتدبيره للعالم باعتبار أوليته التي بها التأثير والتدبير ، إنما يكون للباطن ؛ لأنه بمنزلة الروح ، وظهوره باعتبار آخريته لاقتضائه كمالا لم يكن من قبل ، وهو أثر لحدوثه فيكون ظاهر كالبدن ، وقد تقدم أن ما ظهر كان عينه حال كونه فيه بالقوة فكان الآخر حينئذ عين الأول ، والظاهر عين الباطن ، فكان الكل واحد كما قال : ( وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [ البقرة : 29 ] ) ، وعلمه واحد ، ولا مجال للكثرة فيه ، والعالم الواحد إنما يعلم به معلوم

--> ( 1 ) رواه الطبراني في « الكبير » ( 7 / 142 ) ، وابن أبي شيبة في « المصنف » ( 2 / 99 ) . ( 2 ) رواه أحمد في « المسند » ( 2 / 541 ) ، والطبراني في « الأوسط » ( 5 / 57 ) .