علي بن أحمد المهائمي

294

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

من الحضرة الجلالية كان في التمييز . وقيل : السعيد بالعرفي ؛ لأن الشقي أيضا سعيد بما يحصل له من القرب والرؤية ، وإن لم تنتفع بهما روحه وقلبه ونفسه وجسمه ، ولكن ينتفع به عينه الثانية وسره لو كان من أهل الأسرار . ثم أشار إلى أن القرب حاصل لكل أحد حيّا أو ميتا ، سعيدا أو شقيّا بقوله : ( وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [ ق : 16 ] وما خصّ إنسانا من إنسان ) أي : ما خص ميتا أو سعيدا من حي أو شقي ، لكن قرب أهل الجنان من الحضرة الجمالية ، وقرب أهل النار من الحضرة الجلالية ، وقرب الميت من رؤية الحق ، وقرب كل أحد بالذات ، كقرب الشمس بإشراقها على الكل ، ( فالقرب الإلهي ) بهذه الوجوه ( لا خفاء في الإخبار الإلهي ) ، وإن اشتهر بين الخلق اختصاصه بالسعداء يوم القيامة . قد قال تعالى : وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ [ النور : 39 ] . وقال : ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ [ الأنعام : 63 ] ، وقال : إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ ( 25 ) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ [ الغاشية 25 ، 26 ] إلى غير ذلك . وإذا كان أقرب من حبل الوريد ؛ فليس ذلك قرب الزمان والمكان والرتبة بل قرب الذات ، ( فلا قرب أقرب من أن تكون هويته ) أي : إشراق نور وجوده ( عين أعضاء العبد وقواه ) بل عين العبد ؛ وذلك لأنه ( ليس العبد سوى هذه الأعضاء والقوى ) ، وهذا وإن ظهر في حق البعض ممن كملت محبته وصفاؤه لا بدّ ، وأنّ يكون كامنا في حق الكل سواء كان فيه استعداد ظهوره أم لا ، لوحدة التجلّي على الكل ، وإذا كان الحق في هذا القرب عين البعد ، ( فهو ) أي : البعد ( حق مشهود ) أي : صورة حق يشهد ( في خلق متوهم ) باعتبار عينه الثابتة الباقية على عدمها . ( فالخلق ) من حيث المجموع من الصورة المتجلّية والعين المتوهمة ( معقول والحق ) أي : صورته المتجلية في العين الثابتة ( محسوس ) ؛ لأنه ( مشهود ) منها شهود الصور المتجلية عند انطباعها في الحس المشترك ، فالفرق من الحق لهذه الصورة من حيث كونها من إشراق نور الحق ، والعذاب لها من حيث انطباعها في العين الثابتة لا للوجود من حيث هو لعدم قبوله التغير بالتلذذ والتألم وغيرها ، ولا للعين الثابتة من حيث عدميتها ، هذا ( عند المؤمنين ) بطريق الصوفية ، ( وأهل الكشف ) وهم أهل ( الوجود ) الذين تم ظهوره فيهم فكوشف به