علي بن أحمد المهائمي
292
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
الموجب للآلام الحسية والعقلية ، ( ففازوا بنعيم القرب ) ، إذ هو ملذّ كيفما كان عند أهل المحبة والشهود ، لكن هؤلاء المجرمون من أهل الحجاب بمقتضى قوله : كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [ المطففين : 15 ] . لكن هذا العذاب لا يعارض تلك اللذة لو حصلا جميعا في حق أهل المحبة على أنه نعيم أيضا ( من جهة الاستحقاق ) لمناسبة أعمالهم ؛ ( لأنهم مجرمون ) فكان أعمالهم مستلذة بها كما يستلذ أعيانهم الثابتة من حيث طلبها القرب الإلهي ، وإن لم تستلذ بذلك أجسامهم ونفوسهم وقلوبهم وأرواحهم ( فما أعطاهم هذا المقام ) أي : مقام القرب في جهنم ( الذوقي ) أي : الذي لا يعرف كونه قربا إلّا بالذوق المحض ( اللذيذ ) عند أهل الذوق من حيث ما فيه من القرب والمناسبة ( من جهة المنّة ) حتى يلتذ بذلك منهم ما ذكرنا ، بل حجبوا عن ذلك ، كما قال تعالى : فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ [ الحديد : 13 ] . ( وإنّما أخذوه بما استحقته حقائقهم من ) حيث اقتضاؤها اكتساب ( أعمالهم التي كانوا عليها ) الموجبة للوصول إلى جهنم ، وإن كان فيها مقام القرب من الحق باعتبار تجلّي الجلال والقهر ؛ وذلك لأنهم ( كانوا في السعي في أعمالهم ) الموجبة لجهنم من حيث ما فيها من الآلام الحسية والعقلية ( على صراط الرب المستقيم ) الموجب لتربية العبيد بالتقريب ، ولو من الحضرة الجلالية القهرية ؛ ( لأن نواصيهم ) أي : رقائقهم المكتسبة من هذه الأعمال ( كانت بيد من له هذه الصفة ) أي : الاستقامة الموجبة للتقريب كيفما كان ، وإذا كان وصولهم إلى جهنم من جهة اشتمالها على الآلام بالأهواء ، وإلى ما فيها من القرب من الحضرة الجلالية بكونهم على صراط الرب المستقيم . ( فما مشوا بنفوسهم ) إلى جهة القرب من الحضرة الجلالية فيها ، ( وإنّما مشوا بحكم الجبر ) كما كانوا على صراط الرب بحكم الخير ، ومن حيث الأهواء بحكم الاختيار ( إلى وإن وصلوا إلى عين القرب ) مع وصولهم من جهة اختيارهم الأهواء إلى عين البعد ؛ فافهم ، فإنه مزلة للقدم . [ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ [ الواقعة : 85 ] وإنّما هو يبصر فإنّه مكشوف الغطاء فبصره حديد ، وما خصّ ميّتا من ميّت أي ما خصّ سعيدا في القرب من شقيّ ، وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [ ق : 16 ] ، وما خصّ إنسانا من إنسان ، فالقرب الإلهي من العبد لا خفاء به في الإخبار الإلهي ؛ فلا قرب أقرب من أن تكون هويّته عين أعضاء العبد وقواه ، وليس العبد سوى هذه الأعضاء والقوى فهو حقّ