علي بن أحمد المهائمي

283

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

الكثرة ( وبالفقر النسبي ) أي : بوجه دون وجه ( بافتقار بعضه إلى بعض ) هذا من جهة السماء المتقابلة ، باعتبار ظهورها المذكور ففيه لف ونشر ، ( وحتى تعلم من أين ) أي : من جهة أحدية الذات ( ومن أي حقيقة ) إلهية وهي جهة الأسماء الخاصة التي لم يتعلق بها بعض أجزاء العالم أصلا ، فلم يؤثر بها ولم يتأثر عنها ، ولا عن المؤثر ( اتصف الحق بالغنى عن الناس ) هذا من جهة أحدية الذات ، وإن افتقر إليه في ظهوره من جهة أحدية الكثرة ؛ فإنها من حيث هي أحدية جامع لا يظهر إلا في هذا المظهر الجامع ( والغنى عن العالمين ) وإن افتقر إليهم في ظهوره بهم باعتبار أسمائه من حيث تميز بعضها عن بعض . ( واتصف العالم بالغنى ) مع أن من شأنه الافتقار لا مكانه ، ولما توهم أنه غنى عن اللّه وهو باطل فسره بقوله : ( أي بغنى بعضه عن بعض ) باعتبار ما يخص بعض أجزائه من الأسماء الإلهية المتميزة تأثيرا أو تأثرا بحيث لا يتعداه إلى غيره ، لكنه غنى ( من وجه ) وهو أن تحققه لا يتوقف عليه ( ما هو عين ما افتقر إلى بعضه به ) ، وهو أن التميز التام لكل واحد منهما غير البواقي يفتقر إلى تصور الكل ، وإن لم يفتقر إلى ذلك في التميز الذاتي . [ فإنّ العالم مفتقر إلى الأسباب بلا شكّ افتقارا ذاتيّا ، وأعظم الأسباب له سببيّة الحقّ ، ولا سببيّة للحقّ يفتقر العالم إليها سوى الأسماء الإلهيّة ، والأسماء الإلهيّة كلّ اسم يفتقر إليه من عالم مثله أو عين الحقّ ، فهو اللّه لا غيره ، ولذلك قال : يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [ فاطر : 15 ] ، ومعلوم أنّ لنا افتقارا من بعضنا إلى بعضنا فأسماؤنا أسماء اللّه تعالى إذ إليه الافتقار بلا شكّ ، وأعياننا في نفس الأمر ظلّه لا غيره ، فهو هويّتنا لا هويّتنا ، وقد مهّدنا لك السّبيل ؛ فانظر ] . ثم علل افتقار العالم على الوجه الكلي إلى اللّه ، وافتقار بعضه إلى بعض على الوجه الجزئي بقوله : ( فإن العالم مفتقر إلى الأسباب بلا شكّ افتقارا ذاتيّا ) لكونه ممكنا في ذاته يستوي بالنظر إليه طرفا وجوده وعدمه ، وإن كان يكفي في العلة عدم المرجح ، فلابدّ له في وجوده من مرجح موجود ، ( وأعظم الأسباب له سببية الحق ) ؛ لأن سائر الأسباب لما كانت ممكنة كانت مفتقرة إلى واجب الوجود ، فلم تتم سببيتها بدونه وهو تام في السببية ، فهو مفتقر إليه افتقارا كليّا ، ولكن هذا الافتقار إليه باعتبار أحدية الكثرة ؛ لأنه ( لا سببية للحق يفتقر العالم إليها سوى الأسماء الإلهية ) التي بها أحدية الكثرة لتضمنها المعاني التي بها انتساب الحق إلى العالم ، وانتساب العالم إلى الحق ، وليس ذلك في أحدية الذات ودلالتها على الظل ليست باعتبار إنها أحدية الذات بل من حيث هي أحدية فقط ، فكان افتقار العالم إلى اللّه تعالى باعتبار أحدية الكثرة افتقارا كليّا ، ويدخل في هذا الافتقار افتقار بعض أجزاء العالم إلى أسماء خاصة أو إلى البعض منه إذ ( الأسماء الإلهية ) ، وإن اعتبر تميزها المنافي