علي بن أحمد المهائمي
277
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
[ وفي هذا تتفاضل العلماء ؛ فعالم وأعلم ؛ فالحقّ بالنّسبة إلى ظلّ خاص صغير وكبير ، وصاف وأصفى ، كالنّور بالنّسبة إلى حجابه عن النّاظر في الزّجاج يتلوّن بلونه ، وفي نفس الأمر لا لون له ، ولكن هكذا نراه ضرب مثال لحقيقتك بربّك ، فإن قلت : إنّ النّور أخضر لخضرة الزّجاج صدقت وشاهدك الحسّ ، وإن قلت : إنّه ليس بأخضر ولا ذي لون لما أعطاه لك الدّليل صدقت وشاهدك النّظر العقلي الصّحيح ، فهذا نور ممتدّ عن ظلّ وهو عين الزّجاج ؛ فهو ظلّ نوريّ لصفائه ، كذلك المتحقّق منّا بالحقّ تظهر صورة الحقّ فيه أكثر ممّا تظهر في غيره ، فمنّا من يكون الحقّ سمعه وبصره وجميع قواه وجوارحه بعلامات قد أعطاها الشّرع الّذي يخبر عن الحقّ ] . ثم عظم هذه المعرفة ، فقال : ( وفي هذا ) العرفان الجامع للحقائق الكلية من الحق ، والعالم ( تتفاضل العلماء ) لا في سواه من العلوم ؛ فإنها ليست علوما مقصودة لذواتها إن كانت مقدمات لهذا العلم ، وإلا فليست بشيء أصلا ( فعالم وأعلم ) في هذا العلم لا غير ، وإن وقع التفاضل هناك أيضا بحسب المتعارف ، فهم وإن كانوا ظلال الحق فالتفاوت واقع فيهم بتفاوت الأعيان الثابتة ، فيقع ذلك في ظهور الحق بهذه الظلال ، ( فالحق ) باعتبار ظهوره ( بالنسبة إلى ظل خاص ) ، وإن لم يقع في ظهوره تفاوت بالنسبة إلى أحدية الظل في الكل ( صغير وكبير ) « 1 » كالمفضول والفاضل ، ( وصاف ) كالعالم والأعلم ، إذ ظهوره فيها نور ظهر في هذه الظلالات التي هي على صورة الغيب المجهول ، فأظهرها على حسب محال تلك الظلال من الأعيان الثابتة ، فتصور بصورها ، وتلون بألوانها ، فكأنما تصور الحق بصورها ، وتلون بألوانها ( كالنور ) أي : نور الشمس الممتد في ظل الزجاج المتلون ، ذلك الظل بلون الزجاج يرى ( بالنسبة إلى حجابه ) الذي هو الزجاج ( عن الناظر إلى الزجاج ) الذي لا يعرف ما وراءه من نور الشمس المجرد عن الألوان ، ( يتلون ) هذا النور في نظره ( بلونه ) أي : بلون الزجاج الظاهر في ظله . ( وفي نفس الأمر لا لون له ) أي : لنور الشمس ، ولو باعتبار كونه ممتدا على ظلال الزجاج ، بل هو لون الظل ، ظهر في هذا النور ( ولكنه ) أي : النور لامتداده على ذلك الظل ( هكذا نراه ) ، فجعل هذا النور الشمسي الممتد في الظل النوري للزجاج في تلونه بلون الزجاج في الحس مع عدم تلونه بذلك في نفس الأمر ( ضرب مثال تحققه ) أي : هذا الظل النوري المتلون بلون عينك الثابتة مع عدم تلونه بذلك باعتبار اتصاله ( بربك ) ، لكنه يرى نور الحق الممتد عليه متلونا بلون ظلك المتلون بلون عينك مع عدم تلونه في نفس الأمر ، فيصدق في حق الحق الأمران ، كما يصدق في حق نور الشمس .
--> ( 1 ) فقوله : صغير وكبير إما مجرور صفة لظل خاص وخبر المبتدأ .