علي بن أحمد المهائمي

268

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

بإخوته في إخفاء الصاع ، فقال تعالى في حقه : كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ [ يوسف : 76 ] ( فقال : إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ [ يوسف : 5 ] ) ؛ فنفي العداوة منهم لئلا يعاديهم ، وألحقه بالشيطان ليعاديه دائما ، فكان كذلك في آخر الأمر . ولما توهم من قوله : مُبِينٌ أنه يظهر عداوته لهم مع أنه ليس كذلك لقصده أن يتبعوه قال : ( أي : ظاهر العداوة ) يعني أنه وإن بالغ في قصد إخفائها ، فإنها من مبالغته فيها تصير ظاهرة كأنه يقصد إظهارها . [ ثمّ قال يوسف بعد ذلك في آخر الأمر : هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا أي : أظهرها في الحسّ بعد ما كانت في صورة الخيال ، فقال النبيّ محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم : « النّاس نيام » « 1 » ، فكان قول يوسف عليه السّلام : قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا بمنزلة من رأى في نومه أنّه قد استيقظ من رؤيا رآها ثمّ عبّرها ، ولم يعلم أنّه في النّوم عينه ما برح ، فإذا استيقظ يقول : رأيت كذا ورأيت كأنّي استيقظت وأوّلتها بكذا هذا مثل ذلك ؛ فانظر كم بين إدراك محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم وبين إدراك يوسف عليه السّلام في آخر أمره حين قال : هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا [ يوسف : 100 ] معناه حسّا أي محسوسا ، وما كان إلّا محسوسا ، فإنّ الخيال لا يعطي أبدا إلّا المحسوسات غير ذلك ليس له ] . ثم أشار إلى أن منتهى علم يوسف عليه السّلام يشبه علم عائشة - رضي اللّه عنها - في هذا المقام ليتدارك ما قال في شأنها أولا مع إظهار فضل نبينا عليه السّلام فقال : ( ثم قال يوسف عليه السّلام بعد ذلك في آخر الأمر ) عند انتهاء حاله في الكمال : ( هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا [ يوسف : 100 ] ) ، ولما لم يمكن تفسيره بمعنى : الثابت لكونه أمرا زائدا من أمور الدنيا ، فيبعد من يوسف عليه السّلام القول بثبوته ، قال : ( أي : أظهرها في الحس بعد ما كانت في صورة الخيال ) جعله حقّا من حيث إنه لا يحتاج إلى العبور عنه إلى ما هو تأويله . ( فقال ) له : أي لأجل احتياج كل محسوس إلى تأويل في القسمة ( النبي ) أي : الذي نبئ بالأسرار الخفية حتى فضل على من تقدمه من الأنبياء ( محمد صلّى اللّه عليه وسلّم « الناس نيام » ) فلكل ما رأوه في الدنيا تأويل « فإذا ماتوا انتبهوا » لتأويله فإذا كان كل تأويل يحصل في اليقظة بمنزلة المرئي في المنام ، ( فكان قول يوسف عليه السّلام قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا بمنزلة من رأى في نومه أنه قد استيقظ من رؤيا رآها ثم عبرها ، ولم يعلم أنه في النوم عينه ما برح ) نائما إلى الآن ، ( فإذا استيقظ ) بالحقيقة ( يقول : رأيت في النوم كذا ، ورأيت ) في ذلك النوم عينه

--> ( 1 ) تقدم تخريجه .