علي بن أحمد المهائمي

259

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

( فالرسول والوارث خادم الأمر الإلهي بالإرادة ) أي : إرادة الأمر وإرادة الموافقة من المأمور ( لا خادم الإرادة ) من حيث هي إرادة مطلقا ، كالطبيب بالنسبة إلى الطبيعة ( فهو يرد عليه ) أي : على الحق إرادته به أي : بالحق إرادته أيضا ، وإنما قال : عليه به ليشير إلى أن الكامل وإن رأى الحق في الكل فلا يفتر عن الرد ؛ لكنه يرد على الحق بالحق ، كما أن الطبيب يدفع الطبيعة بالطبيعة طلبا للصحة ، فهذا يفعل ذلك ( طلبا لسعادة المكلف ) التي هي الصحة النفسانية ، ( فلو خدم الإرادة الإلهية ) من حيث هي إرادة ما نصح مكلفا ؛ لأن فعله على وفق إرادة ما ؛ لكنه خادم للإرادة أيضا كيف ( وما نصح إلا بها أعني الإرادة ) فسرها لئلا يتوهم أن الحق لا يريد من المعاصي إلا المعصية ، فأشار إلى أنها ربما لا تكون مرادة للحق في شأنه ، وإن قصدها إلا عند الفراغ منها ، والفراغ منها إنما يحصل لو لم يرد على الحق ، وإذا كانت خدمة الرسول والوارث للإرادة من حيث تحصيل السعادة ، كخدمة الطبيب من حيث تحصيل الصحة . ( فالرسول والوارث طبيب أخروي للنفوس ) المريضة بمرض أسباب المخالفة ، باستعمال الأمر الإلهي الذي هو الدواء ؛ وذلك لأنه ( منقاد لأمر اللّه حين أمره ) من غير براح منه خوفا من استحكام الداء ، ولئلا تتم إرادة المعصية في حقّه لو لم يرد عليه لتهيئ أسبابها . ولما كان الرسول والوارث طبيبا ؛ لم يكن له بد من النظر في الدواء وأسباب المرض والصحة ، ( فينظر في أمره تعالى ) من حيث هو دواء ، ( وينظر في إرادته ) تعالى من حيث هي أسباب الصحة أو المرض ، ( فيراه قد أمره بما يخالف إرادته ) ، وإن كان الأمر من الإرادة كمن يأمر عبده يريد مخالفته إظهارا لعصيانه ليكون عذر له عند من يلومه بضربه ، فيداويه مداواة الطبيب المريض بمرض الموت ؛ وذلك لأنه ( لا يكون ) من المأمور ( إلا ما يريد ) منه لا ما أمره ؛ لأن الإرادة أصل لوقوع الكمّل من الأمر والمأمور بها . ( ولهذا ) أي : ولوقوع ما يريد دون ما لم يرد ( كان الأمر ) صفة أزلية للحق ، ولا بدّ له من مأمور ، ( فأراد الأمر ) أي تعليقه بكل مكلف ( فوقع ) تعليقه لكونه مراد للحق ، ( وما أراد وقوع ما أمر به ) حال كونه ملتبسا بالأمور ( بالمأمور ) العاصي ، وإن أراد وقوعه من المطيع ، ( فلم يقع ) المأمور به منه ، وإن تعلق به الأمر عن الإرادة ؛ لأنها تعلقت بمجرد الأمر لا مع المأمور به منه ، فيسمى عدم وقوع المأمور به ( من المأمور مخالفة ) للحق ، وإن وافق إرادته ؛ لأنه لما خالف الجمال الذي منه الأمر ، فكأنما خالف الجلال الذي هو عاشق الجمال أيضا ( ومعصية ) ، وإن كان طاعة للإرادة والجلال لما ذكرنا ، والرسول لا يخدم الإرادة والجلال ، ولا يتأتى منه تربية الأمر التكليفي هناك ( فالرسول مبلغ ) للأمر التكليفي في حقه وخدمته هنا التبليغ لا غير .