علي بن أحمد المهائمي

253

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

( فيقع الأثر في العبد بحسب ما يكون ) عليه من الأحوال ، وهذا الأثر هو المنقسم إلى الخير والشر ، ( فما أعطاه الخير سواه وما أعطاه ضد الخير غيره ) ، وإن كان التجلي من غيره ، وأحواله أيضا من أسباب خارجية ، ( بل هو منعم ذاته ومعذبها ) لاقتضائه من الحق أن يتجلى بالتنعيم والتعذيب ، فهو وإن كان فاعلا بمعنى إرادته الإيجاد ، فالفعل إنما ينسب بالحقيقة لمن قام به أو لا ، ( فلا يذمنّ ) في التعذيب ( إلا نفسه ، ولا يحمدن ) في التنعيم ( إلا نفسه ) ، وما ورد من قوله عليه السّلام : « من وجد خيرا فليحمد اللّه ، ومن وجد غير ذلك ؛ فلا يلومنّ إلا نفسه » « 1 » . فباعتبار آخر هو أن الخير من حيث هو كمال ، لا يكون منشأه النفس ، وباعتبار الإيجاد الكل من اللّه تعالى ، كما قال تعالى : قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً [ النساء : 78 ] ، وإذا كانت الآثار المنقسمة إلى الخير والشر من مقتضيات أحوال العبد علمها الحق ، فتجلى عليهم بحسبها ( فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ [ الأنعام : 149 ] في علمه بهم ) الموجب لتجليه عليهم بحسب ما علم منهم ؛ لجريان سنته على ذلك ، رعاية للحكمة ، ودفعا للظلم ( إذ العلم يتبع المعلوم ) من حيث مطابقته له ، وإن لم ينفعل علم الحق عن المعلوم بل فعل فيه مقتضاه . ( ثم ) أي : بعد بيان السر الدال على أن الكل من العبد إلى العبد ( السر الذي فوق هذا في هذه المسألة ) الدال على أن الكل من الحق إلى الحق ، أي إلى صورته الظاهرة في المظاهر ، الممكنات ) أي : الموجودات الممكنة وإن وجدت الآن ، فهي باعتبار ذواتها ( على أصلها من العدم ) ، وليس لها حذف ذلك إشعارا بأنها بهذا النظر ليست بشيء ، فكيف يثبت لها أمر ، فكأنه ( ليس ) في الواقع أصلا ( وجود إلا وجود الحق ) ، لكنه تصور ( بصور أحوال ما هي على الممكنات في أنفسها ) ، أي : بحسب نفس الأمر بحيث لو تحققت بأنفسها في الخارج لكانت كذلك ، ( وأعيانها ) الثابتة في العلم الأزلي ، وإنما اعتبر في ثبوتها هذين الأمرين ؛ لأنه لما جعلها معدومة بحسب الأصل ، ولا أثر للعدم فلا بدّ من اعتبار ثبوتها ؛ ليتصور تأثيرها في صور الحق بوجه أقوى من وجه ألحقها بالمعدومات مع أنه الأصل ، فاعتبر فيه أمرين ؛ لأن الغلبة في الأكبر للأكثر ، وإذا كانت الممكنات على أصلها من العدم وأعيانها ما شمت رائحة من الوجود ، فالواقع عليه الجزاء ليس الممكنات من حيث هي ممكنات ، ولا أعيانها بل صورة الوجود المحققة لذوات الأشياء هي التي وقع عليها الجزاء بما تعاقب عليها من صوره العارضة ، ( فقد علمت من يلتذ ومن يتألم ) ، وهي صورة الحق

--> ( 1 ) رواه مسلم ( 4 / 1994 ) ، والترمذي ( 4 / 289 ) .