علي بن أحمد المهائمي
25
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
الفرقة الثالثة وهم الذين لم يوطنوا الأشياء مواطنها ، ووقفوا مع ظواهرها ، وتركوا بواطنها ، فلا حاجة إلى الاستشهاد بالآيات البينات على قبائحهم ، ولا بالأحاديث الصحيحات على فضائحهم ، إذ القرآن مشحون بهتك أستارهم ، والحديث مسنون بكشف أسرارهم كقوله تعالى : بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ [ يونس : 39 ] . وقوله تعالى : وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ [ الأحقاف : 11 ] . وقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه إلا العلماء باللّه ، فإذا نطقوا به لا ينكره إلا أهل الغرة باللّه » « 1 » . لأن البراهين القاطعة ، والحجج الساطعة ، مسلطة مع الظواهر بغير لبس ، وليس الأمر عند العلماء الراسخين بالعكس ، فالحكم المعتاد مطروحا بين العبد ؛ لأن لكل قوم لسانا واصطلاحا في سيرهم تفردوا وتميزوا عن غيرهم ، فإذا سمعهم من لم يكن منهم أنكرهم ، وربما أداه الجهل إلى أن كفرهم ، ولا ينبغي إذ يكون لزيد لسان واصطلاح لا يفهمه عمر ، ويكون ذلك باطلا في نفسه ، فهذه الفرقة نبهها اللّه تعالى عن سنتها ، وأيقظتها من غفلتها كما قيل : وكم من عائب قولا صحيحا * وآفته من الفهم السقيم فليتهم إذ لم يعرفوا وقفوا ، وليتهم إذا عرفوا أنصفوا ، ولكنهم كما قال حجة الإسلام أبو حامد الغزالي رضي اللّه عنه وأرضاه ، وجعل الحضرة المقدسة منقلبه ومثواه « إنهم كصخرة في فم واد ، فلا هي شربت الماء ، ولا تركت غيرها يشرب » . وما أحسن ما قال بعض المشايخ رضي اللّه عنه : « إذا عجزت عن شيء ، فلا تعجز عن رؤية العجز والتقصير عنه » . وللمؤلف - عفا اللّه عنه : لو كنت شاهدت يوم البين إيش جرى * ما كنت أنكرت دمع العين حين جرى ولو تجرّدت من ثوب الحدوث لما * جهلت ما في سرّ غار حرا لكن حجبت عن المعنى بظاهره * فلست معنا فأبّدت قلبك الحجرا ولا تكن قافيا ما لست تعلمه * واحذر فؤادك ثم السّمع والبصرا
--> ( 1 ) ذكره المناوي في « فيض القدير » ( 4 / 326 ) ، والديلمي في « الفردوس » ( 1 / 210 ) .