علي بن أحمد المهائمي
249
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
شرعوه ) ، لا لكونه مما شرعوه بل لكونهم ( يطلبون بذلك رضوان اللّه ) ، إذ لم يبتدعوه عن هوى أنفسهم ( بل لكونه على غير الطريقة النبوية المعروفة بالتعريف الإلهي ) . ( وقال : ) هذا الطريق أيضا حاصل بتعريفه تعالى إذ قال : وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [ العنكبوت : 69 ] ، ولكن التعريف في الطريقة النبوية مصرح به ، وهنا غير مصرح به ، لكنهما في إفادة الرضوان الإلهي ، سواء إذا تأكد كل منهما بالآخر في بعض النسخ على غير الطريقة النبوية ، ومعناه يطلبون بذلك رضوان اللّه ، وإن كان على غير الطريقة النبوية لكونها أيضا معرفة بالتعريف الإلهي موافقة لتلك الطريقة مؤكدة لها ، وإذا وقع في قلوبهم تعظيم ما شرعوه لطلب رضوان اللّه تعالى ( فما رعوها ) « 1 » ، وفسر الفاعل بقوله : ( هؤلاء الذين شرعوها ) ؛ لئلا يتوهم أن المراد متأخر ، وهم كما ذهب إليه البعض وفيه فك النظم . وقال : ( وشرعت لهم ) إشعارا بأن هذا الدين إنما لم يشرع أولا لما فيها من المشقة على العامة ، فلما تحملها بعضهم شرعت لهم أيضا بعد ما شرعوها ( حق رعايتها ) مع ما فيها من المشقة العظيمة ( إلا ابتغاء رضوان اللّه ) ، لم يجعل الشيخ رحمه اللّه هذا استثناء عن قوله : « كتبناها عليهم » ؛ لأنها ما كتبت عليهم أصلا ، ولا يصح نزع اللام عن الابتغاء على ذلك التقدير ؛ لأنه ليس فعلا لفاعل الفعل ، أعني الكتابة ، بل جعله مقدما على قوله : فَما رَعَوْها [ الحديد : 27 ] نبأ على أن الفاء لا تمنع من تقديم المستثنى عن معمول مدخولها ؛ لأنه ليس معمولا له ، بل لحرف الاستثناء على ما هو مذهب البعض . ثم قال : ( ولذلك ) أي : كما رعوها عملا ( اعتقدوا ) كمالها في إفادة الرضوان ، والتقرب إلى اللّه ، بل ربما يقع في قلوب البعض أن الشريعة العامة إنما تفيد النجاة والفوز بجنة المآكل والمشارب والمناكح وليس كذلك ، بل المفيد للقرب هو الشرع عند استنارة القلوب بما يكتسب من المعاملة والمكاشفة ، فجازاهم اللّه على تلك الرعاية وعلى ذلك الاعتقاد ، فقال : ( فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا ) يعني بها ( منهم أجرهم ) وهو الرضوان الذي طلبوه عليهما ، وفيه إشارة إلى أن الأجر الكامل على الاعتقاد وحده ، لكن بشرط تأكده بالعمل والرعاية ، وإلى أن من آمن بطريق الصوفية نال نصيبا من الأجر . ثم قال : ( وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ) ولما توهّم أن الضمير يعود إلى المبتغين رضوان اللّه ، ولا يتصور كونهم فاسقين ، فسره بقوله : ( أي من هؤلاء الذين شرع فيهم هذه العبادة فاسِقُونَ ) ، ولما لم يتصور كونهم فاسقين مع رعايتهم الشرع الظاهر فسره بقوله : ( أي :
--> ( 1 ) أي : الرهبانية المبتدعة .