علي بن أحمد المهائمي

246

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

هو قديم ، ولا مجال لفعل العبد فيه ، إذ ذلك مجاز ؛ وذلك لأن ( الذي من عند اللّه هو الشرع انقدت إليه ) ، فسمى الشرع بالدين مجاز ؛ لأنه منقاد إليه فكأنه عين انقيادك . [ فالدّين هو الانقياد ، والنّاموس هو الشّرع الّذي شرّعه اللّه ، فمن اتّصف بالانقياد لما شرّعه ؛ اللّه له فذلك الّذي قام بالدّين وأقامه أي أنشأه كما يقيم الصّلاة ، فالعبد هو المنشىء للدّين ، والحقّ هو الواضع للأحكام ؛ فالانقياد عين فعلك ، فالدّين من فعلك فما سعدت إلّا بما كان منك ] . ( فالدين ) من حيث سمي به الشرع أيضا ( هو الانقياد ) الذي هو حقيقة ، أي : لو خط به هذا المعنى ( والناموس ) أي : الحكم الإلهي الواصل من سر الغيب إلى جملة أسراره من قلوب الأنبياء ( هو الشرع الذي شرعه اللّه ) أي : هو الاسم الحقيقي للشرع من حيث نسبته إلى اللّه ، وإنما يسمى بالدين من حيث نسبته إلى العبد المنقاد إليه ، واستدل عليه بأنه يقال : إنه يقيم الدين ، فلو كان اسم الشرع حقيقة لم يصح ذلك . فقال : ( فمن اتصف بالانقياد لما شرعه اللّه فذلك الذي قام بالدين ) لا بمعنى أنه قائم به قيام العرض ، ولكن الباء للتعدية ومعناه ( أقامه ) ، وليس معنى إقامة الدين مثل إقامة الشرع ، أي : العمل به ، بل معناه ( أي : أنشأه ) ؛ فإنه المعنى الحقيقي للإقامة ( كما يقيم الصلاة ) التي يقال عليها الدين أيضا ، ( فالعبد هو المنشئ للدين فكيف يكون حقيقة في الشرع ، وليس قادرا على إنشائه إذ الحق هو الواضع للأحكام ) ، وإن كانت قد تنسب إلى العبد باعتبار انقياده إليها ، ( فالانقياد ) الذي سمي الشرع بسببه دين ( عين فعلك ، فالدين ) وإن أطلق على تلك الأحكام مجازا ( من فعلك ) أي : لوحظ في إطلاقه على الشرع المعنى الذي هو فعلك ، فالدين منك حقيقة باعتبار معناه الحقيقي ، ومجازا باعتبار معناه المجازي ، وبه الكمال والسعادة للعبد ، ( فما سعدت إلا بما كان منك ) من الانقياد ، وإنما وضعه اللّه من حيث ما وضعه ، إذ لا يفيدك وضعه للأحكام شيئا من السعادة ما لم تنقد إليها ، فإذا كانت سعادتك التي هي كمالك من أفعالك أشبهت الإله من حيث إن ظهور كماله بأفعاله . [ فكما أثبت السّعادة لك ما كان فعلك كذلك ما أثبت الأسماء الإلهيّة إلّا أفعاله ، وهي أنت وهي المحدثات ، فبآثاره سمّي إلها وبآثارك سمّيت سعيدا ، فأنزلك الحقّ تعالى : منزلته إذا أقمت الدّين وانقدت إلى ما شرعه لك ، وسأبسط في ذلك إن شاء اللّه ما تقع به الفائدة بعد أن نبيّن الدّين الّذي عند الخلق الّذي اعتبره اللّه ، فالدّين كلّه للّه وكلّه منك لا منه إلّا بحكم الأصالة ] . ( فكما أثبت السعادة لك ما كان فعلك ) من الانقياد لأحكام الشرع ( كذلك ما