علي بن أحمد المهائمي
241
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
ولما ناسب صدق الوعد العلو الذاتي في اقتضاء الثناء المحمود بالذات ، وقد قرن في حق إسماعيل عليه السّلام بكونه مرضيّا ، وهو من لوازم العلو الذاتي أورده عقيبه ، فقال : ( الثناء ) أي : المحمود بالذات بقرينة فأبعده أطلق لعدم اعتداده بغيره لزواله بأدنى معارض ، والزوال موجب للذم ( بصدق الوعد ) ، أي : يتعلق بصدق الوعد ، وهو التزام فعل الخير في المستقبل ، وهو محمود بالذات ( لا بصدق الوعيد ) التزام فعل الشر في المستقبل ، وليس بمحمود بالذات ، بل بما يعارض له من المصلحة العامة ، ولذلك قد يثني على التجاوز ( والحضرة الإلهية ) لعلوها الذاتي ( تطلب الثناء المحمود بالذات ) دائما . وأما الثناء المحمود بعارض فقد تطلبه وقد لا تطلبه ، ( فيثني عليها بصدق الوعد ) بكل حال ( لا بصدق الوعيد ) بكل حال ، ( بل ) قال : يحمد ( بالتجاوز ) يدل عليه قوله تعالى : ( فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ [ إبراهيم : 47 ] ولم يقل ووعيده ) ، وإن كان الموضع موضع الوعيد ؛ ولذلك قال عقيبه : إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقامٍ [ إبراهيم : 47 ] وكأنه تعالى حيث صدق الوعيد ، فلقنه صدق الوعد كوعد الرسل إهلاك أعدائهم ، وهكذا تصديقه وعيد أهل الكفر والمعاصي ؛ لتضمن هذا الوعيد إصلاح العامة ، ولا يتم ما لم يجزموا بإبقائها ، وذلك تصديقه بإتيان مقتضاه . ( بل قال ) في حق أهل الوعيد : ( وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ [ الأحقاف : 16 ] مع أنه توعد على ذلك ) ، فقال : وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها [ الشورى : 40 ] ، وقال : وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها [ الأنعام : 160 ] ، ولو كان صدق الوعيد يثني عليه بالذات لكان ضده مذموما ، ولا يلزم بذلك الكذب في إخباره تعالى ؛ لأنه مخصص بالدليل المنفصل ، ولما كان الثناء في حق الحق بصدق الوعد بالذات ، وبصدق الوعيد بالإمكان ، بحيث لا يترجح أحد طرفيه إلا بمرجح عارض ، ويزاول بمعارض ، والكامل من تشبه بالحق في الكمالات الذاتية . [ فأثنى على إسماعيل بأنّه كان صادق الوعد ، وقد زال الإمكان في حقّ الحقّ لما فيه من طلب المرجّح : فلم يبق إلا صادق الوعد وحده * وما لوعيد الحقّ عين تعاين وإن دخلوا دار الشّقاء ؛ فإنّهم * على لذّة فيها نعيم مباين نعيم جنان الخلد ، فالأمر واحد * وبينهما عند التّجلّي تباين يسمّى عذابا من عذوبة طعمه * وذاك له كالقشر والقشر صائن