علي بن أحمد المهائمي

234

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

وكذلك كلّ نفس مطمئنّة قيل لها ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ [ الفجر : 28 ] فما أمرها أن ترجع إلّا إلى ربّها الّذي دعاها فعرفته من الكلّ يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبادِي [ الفجر : 27 - 29 ] من حيث ما لهم هذا المقام فالعباد المذكورون هنا كلّ عبد عرف ربّه تعالى واقتصر عليه ولم ينظر إلى ربّ غيره مع أحديّة العين لا بدّ من ذلك ، وَادْخُلِي جَنَّتِي [ الفجر : 30 ] الّتي هي ستري ] . وقد حصل ذلك في حق إسماعيل عليه السّلام ( ففضل إسماعيل غيره من الأعيان ) التي رضي عنها أربابها ( بما نعته الحق ) الذي لا يليق بعظمته أن يصف بالرضا المطلق غير شيء ، إلا إذا رضي بكليته بجهة خاصة عنه ( من كونه عند ربه ) وهو الكلي المخصوص ( مرضيّا ) بالرضا الكلي مع اختصاص في جهته كالرب ، ( وكذلك ) أي : مثل إسماعيل عليه السّلام في رضا الرب المأخوذ من الكل المتعين بما يناسب المربوب ( كل نفس مطمئنة ) لا تتحرك بغير الحق حتى صفت وصارت مائلة لصورته الكاملة المأثورة ، ( قيل لها : ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ [ الفجر : 28 ] ) بظهور صورته الكاملة المؤثرة فيك ؛ ليحصل رضاه الكلي عنك ( فما أمرها أن ترجع ) لطلب رضاه الكلي ( إلا إلى ربها ) إذ أضافه إلى ضميرها ، وإن كان ربها مأخوذا من الكل فأراد التغير من الكل بما يناسبها ، وهو ( الذي دعاها ) إلى معرفته لمناسبة بينها وبينه ، إذ لا بدّ منها فيما بين المفيض والقابل ؛ لكنه مأخوذ من الكل ؛ ( فعرفته من الكل ) بظهور صورته الكاملة المؤثرة ، أو لا يمكن لها الرجوع إلى غير من عرفته ، فلما عرفته رجعت إليه راضية بأن تزينت بزينة ظهور الرب الكلي فيها بصورة التأثير لا الأثر الحاجب عنه ، مرضية لذلك الرب الكلي ، ولما في ضمنه من الذات وسائر الأسماء برؤيتها كمالاتها فيها . ثم قيل لها : فَادْخُلِي فِي عِبادِي [ الفجر : 29 ] ) بالتحقق بمقام العبودية بعد التصور بصورة الربوبية ، والمراد الذين عبدوا الذات لا ( من حيث ) هي ذات ، إذ لا يمكن معرفتها فكيف تتأتى عبادتها ؛ بل من حيث ( ما لهم هذا المقام ) وهو أنهم راضون مرضيون لما ظهر فيهم من الصورة الكاملة المؤثرة لرب تعين لهم من الكل بما يناسبهم ، دعاهم إلى معرفته فعرفوه من الكل فعبدوه ، واختاروا مقام العبودية الكاملة من غير معرفة ، ( فالعباد المذكورون هنا كل عبد عرف ربه تعالى ) المأخوذ من الكل المتعين بما يناسبه ، ( واقتصر عليه ) في التوجه إليه بالعبادة ، ( ولم ينظر إلى رب غيره ) بالاعتقاد ، وإن كان ربه متعينا له من الذات والأسماء كلها ، ولو ( مع أحدية العين ) أي : أحدية ذات تلك الأسماء المانعة من التفرق من وجه آخر ( لا بدّ من ذلك ) أي : ترك النظر إلى غير ربه ، ولو من وجه الأحدية فإن النظر إلى اسمين لشيء واحد مفرق للنظر والتفرقة منافية لكمال الصفاء ، الموجب