علي بن أحمد المهائمي
221
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
ألف مرة في زاوية من زوايا قلب العارف ) قيد بذلك ؛ لأن الشيء العظيم في المكان الضيق يكون أظهر في نظر الرائي مما يكون في مكان أوسع ( ما أحس به ) لغاية سعة تلك الزاوية فضلا عن مجموع القلب اتسع لرؤية الحق في الأشياء ، فاقتصر نظره على الظاهر فيها دون المظاهر مع أنه يراه فيها ؛ فهي أيضا في قلبه . قال الشيخ رضي اللّه عنه : ( وهذا ) أي : تقييد ظهور الحق للقلب في عالم الأجسام المقدرة بهذا المقدار ، ( وسع ) قلب أبي يزيد في ظهور الحق ( في عالم الأجسام ) مع أنه يظهر له في عالم الأرواح والمعاني ، ولا نسبة لسعته إلى عالم الأجسام ، فليس هذا نهاية سعة قلب العارف ولا قلب أبي يزيد على الإطلاق ، بل باعتبار حالة مخصوصة له . ( بل أقول ) في بيان غاية سعة قلب العارف ( لو أن ما لا يتناهى وجوده ) من عالم الأرواح والمعاني ( يقدر انتهاء وجوده ) ؛ لتمكن إحاطة العارف بذلك وحصره إياه ؛ فإنه ينافي كونه غير متناه ( مع العين الموجدة له ) ، وهو أن يراه في المظاهر كلها وفي مقر عينه أيضا ( في زاوية من زوايا قلب العارف ؛ ما أحس بذلك في علمه ) ، فإن القلب وإن كان متناهيا فما فيه من العلم غير متناه ، فكذا فيما يتجلى له من الحق سواء ظهر في المجالي ، أو في مقر عينه لغاية سعته ؛ ( فإنه قد ثبت أن القلب وسع الحق ) المتجلي في المجالي ، وفي مقر عينه في قوله : « ما وسعني سمائي ولا أرضي ؛ ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن » « 1 » . ( ومع ذلك ) أي : ومع تجلي الحق فيه باعتبار ظهوره في المجالي ، وفي مقر عينه ( ما اتصف بالري ) ؛ بل ازداد عطشا إلى تجلياته المتجددة آناء فآناء امتلائه لغاية سعته ، ( فلو امتلأ ) بما تجلى فيه بلا نهاية ( ارتوى ) ، إذ لا يتصور عطش الممتلئ بالماء ، ( وقد قال ذلك ) أي : بعدم ارتواء القلب بما شرب من بحار السماوات والأرض ( أبو يزيد ) في حالة أخرى أتم مما ذكروا ذلك ما نقله الشيخ المحقق أبو القاسم القشيري في رسالته : كتب يحيى بن معاذ الرازي إلى أبي يزيد : سكرت من كثرة ما شربت من كأس محبته ، فكتب إليه أبو يزيد : غيرك شرب بحور السماوات والأرض ، وما روي بعد ، ولسانه خارج ، ويقول : هل من مزيد ؟ وأنشدوا : عجبت لمن يقول ذكرت ربي * وهل أنسى فأذكر ما نسيت شربت الحبّ كأسا بعد كأس * فما نقد الشراب ولا رويت ثم قال رضي اللّه عنه : ( ولقد نبهنا على هذا المقام ) أي : مقام اتساع القلب لما لا يتناهى من
--> ( 1 ) ذكره المناوي في « فيض القدير » ( 2 / 496 ) ، والعجلوني في « كشف الخفاء » ( 2 / 255 ) .