علي بن أحمد المهائمي
203
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
هو من إفاضة عدم الغير ، أو عدم كماله إليه ، ولذلك ورد : « الحمد للّه على كل حال » « 1 » . وإذا كان كل حكم لك في وجوده باعتبار ظهوره فيك لا له ، وكان له إفاضة الوجود عليك لا لك ، ( فإن غذاؤه ) « 2 » أي : غذائها ظهرت من وجوده فيك ( بالأحكام ) ، تكمله بها تكميل الغذاء للمتغذي ، ( وهو ) أي : الحق ( غذاؤك بالوجود ) يكمل عينك الثابتة بإفاضته عليها ، وإذا كنت غذاءه ، وكان غذاؤه بالمعنى المذكور ؛ ( فتعين عليه ) من شكرك مثل ( ما تعين عليك ) من شكره ، فكأنه أمر كل واحد الآخر بشكره وكلفه به ، ( فالأمر منه إليك ) بأن تشكره على إفاضة الوجود ، ( ومنك إليه ) بأن يشكرك في إفادتك ظاهر وجوده فيك الأحكام المحدثة ، ( غير أنك تسمى مكلفا ) اسم مفعول ، ومأمورا لما كلفك ، وأمرك به من شكره مع أنك مكلف اسم فاعل ؛ وذلك لأنه ( ما كلفك إلا بما قلت له كلفني بحالك ) أي : بلسان حالك عند صيرورته غذاك بإفاضة الوجود عليك ، ( وبما أنت عليه ) أي : وبما عليه عينك في حال ثبوتها من اقتضائها أن يكلفك شكره على صيرورته غذاك أعني : إفاضة الوجود عليك ، والحق ( لا يسمى مكلفا اسم مفعول ) ، ولا مأمورا ، وإن كلفته وأمرته بحالك أن يشكرك على صيرورتك غذاؤه بإفاضة الأحكام المحدثة على ظاهر وجوده ؛ لأن لك فيما أفاض عليك من الوجود كل الكمال ، وإفادتك الأحكام المحدثة لما ظهر من وجوده فيك لا تجعله كاملا في ذاته ؛ بل في ظهوره المستغني عنه بالنظر إلى ذاته ، فلا عبرة به ، وإذا أوجب على كل واحد من الحق والخلق شكر الآخر ، وامتثال أمره بالشكر وغيره ( فيحمدني وأحمده ) أداء لما على كل واحد من شكر الآخر ، ( ويعبدني وأعبده ) امتثالا لما أمرته وأمرني بالشكر أطلق على الشكر اسم العبادة ؛ لأنه المقصود منها سيما عند الأمر به بلسان الاستعداد ، أو الحال ، أو القول ، ويطلق على اللّه تعالى مجازا ما ليصح إطلاقه عليه حقيقة كقوله عليه السّلام : « ضحك اللّه مما فعلتما البارحة » « 3 » . وإذا وجب علينا شكره ، وهو ذكر كمالات المشكور ، وهو باعتبار استقراره في مقر غيره لا في ظهوره في المظاهر بالنسبة إلى ذاته ( ففي حال أقرّ به ) ، وهو حال استقراره في مقر غيره نكرها شعارا بأنها نكرة لا تتعرف لعسر الوصول إليها ، بل لتعذره بالكلية ، ( وفي الأعيان أجحده ) لما لحقه باعتبار ظهوره في المحدثات من النقائص والمذام ، وإذا جحدته ( فيعرفني ) من مظاهره ، وإن كنت ( وأنكره ) ؛ لأن إنكاري ظهوره في لا يخرجني من كوني من مظاهره ، وكذا إنكاري من جملة مظاهره ، فإنه ينكر عند ظهوره في المظاهر أنه باعتباره مستقر في مقر غيره ، وإنما هو باعتبار آخر .
--> ( 1 ) رواه ابن حبان ( 2 / 361 ) ، والحاكم في « المستدرك » ( 1 / 677 ) . ( 2 ) في نسخة : « فأنت » . ( 3 ) رواه البخاري ( 3 / 1382 ) .