علي بن أحمد المهائمي

172

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

الفصّ الإدريسي فصّ حكمة قدوسية في كلمة إدريسية أي : ما يتزين به ، ويكمل العلم اليقيني المتعلق بتنزيه الحق عن النقائص ، وعن الكمالات الإمكانية ظهر بزينته وكماله في الحقيقة الجامعة المنسوبة إلى إدريس عليه السّلام إذ بالغ في التجرد فلم يتم ، ولم يطعم ستة عشر عاما ، فصار إلى عالم القدس ، فلحق بالملائكة السماوية والملأ الأعلى ، فرفع إلى السماء الرابعة ، فحصل له علو المكانة في ضمن علو المكان . [ العلوّ نسبتان : علوّ مكان ، وعلوّ مكانة ؛ فعلوّ المكان وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا [ مريم : 57 ] ، وأعلى الأمكنة المكان الّذي يدور عليه رحى عالم الأفلاك ، وهو فلك الشّمس ، وفيه مقام روحانيّة إدريس عليه السّلام ، وتحته سبعة أفلاك وفوقه سبعة أفلاك وهو الخامس عشر فالّذي فوقه فلك الأحمر وفلك المشتري وفلك كيوان وفلك المنازل والفلك الأطلس ، وفلك الكرسيّ وفلك العرش ، والّذي دونه فلك الزّهرة وفلك الكاتب ، وفلك القمر ، وكرة الأثير وكرة الهواء ، وكرة الماء وكرة التّراب ، فمن حيث هو قطب الإفلاك هو رفيع المكان ، وأمّا علوّ المكانة فهو لنا ، أعني المحمّديّين ، قال تعالى : وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ [ آل عمران : 139 ] ، وَاللَّهُ مَعَكُمْ في هذا العلوّ ؛ وهو يتعالى عن المكان لا عن المكانة ] . ولذلك أخذ في بحث العلو مع أن التنزه عن كمالات الشيء علو عليه فقال : ( العلو نسبتان علو مكان ، وعلو مكانة ) أي : العلو أمر إضافي يعرض للمكان بالنظر إلى آخر الكون الأول نفس المحيط ، وأقرب إليه ، ومما يلي الرأس الكائن عن الوضع الطبيعي ، ولو بالفرض وكون الآخر بخلاف ذلك ، أو للمكانة مرتبة كاملة لشخص النظر إلى مرتبة أخرى لم تبلغ ذلك الكمال ( فعلو المكان ) مثل ما في قوله تعالى : ( وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا [ مريم : 57 ] ) ، وجاء في الأخبار : « أنه رفع إلى السماء الرابعة » « 1 » . ومعلوم أن علوه المكاني ، إنما هو بالنظر إلى ما تحته ، وقد جعله اللّه أعلى الأمكنة على الإطلاق ، فأخذ في بيانه بقوله ، ( وأعلى الأمكنة ) من حيث جمعه بين العلو المكاني على بعض المكنة والرتبة على أكثرها ( المكان الذي يدور عليه رحى عالم الأفلاك ) يدور

--> ( 1 ) رواه مسلم ( 1 / 146 ) ، وابن خزيمة ( 1 / 154 ) .