علي بن أحمد المهائمي

167

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

الطبيعة ، وهي من حيث هي طبيعة حاجبة عن اللّه لنزل بهم عن هذه الدرجة الرفيعة فإن التجلي الإلهي ، وإن عم فهو متفاوت إلى ما لا نهاية له ، ثم أشار إلى ما دعا به نوح عليه السّلام في حق أولئك الظالمين المصطفين بطريق الإشارة في ضمن دعائه على الطغاة بطريق العبارة عند رؤية استغراقهم في بحار العلم باللّه الموجب للحيرة برؤية الجمع الذي هو رؤية الحق بلا خلق . فقال ( وَقالَ نُوحٌ رَبِّ [ نوح : 26 ] ، و ( ما قال ) في الدعاء : ( إلهي فإن الرب ) من حيث إن له نسبة خاصة إلى مربوب خاص ( له الثبوت ) على وجه خاص في تربيته لا يتجاوزه إلى غيره ، ( والإله ) احترز عنه ؛ لأنه ( يتنوع بالأسماء ) التي تحت حيطته في التجليات ( فهو ) أي : الإله ( كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [ الرحمن : 29 ] ) ، في تجليه على مألوهه ( فأراد ) نوح عليه السّلام بالرب أي : باختيار لفظ ( الرب ) في دعائه ( ثبوت التلوين ) أي : طلب ثبوت التلوين ، وهو الفرق بعد الجمع لأولئك الظالمين المصطفين ؛ لئلا يردوا إلى مقام الجمع المحض أو إلى الفرق الأول بعد ذلك ، وإنما قلنا : أراد ذلك مع أنه لم يصرح به ( إذ لا يصح ) في حقهم طلب شيء ( إلا هو ) أي : التلوين ؛ لأن مقام الجمع موجب للإضلال ، ومقام الفرق الأول نزول إلى السفل فلم يبق لهم إلا مقام التلوين ، ( لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ [ نوح : 26 ] ) ، أي : فوقها ، وهي سماء الجمع بل اجعلهم تحتها فهو ( يدعو عليهم أن يصيروا في بطنها ) أي : أن يصيروا باطنا ، والحق ظاهرا . وهذا هو الكمال في مقام الفرق بعد الجمع ، وإنما قال : يدعو عليهم مع أنه دعاء لهم لمشاكلته عبارة القرآن الواردة في الدعاء على الطغاة ، ويدل على أن الحق هو الظاهر ، والخلق هو الباطن ، ما قال النور ( المحمدي « لو دليتم بحبل لهبط على اللّه » « 1 » ) . ولا شكّ أن محل الهبوط هو السطح الظاهر من المهبوط عليه ، ويدل عليه أيضا قوله تعالى : ( لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ البقرة : 116 ] ) ، فخص وجود كل منهما بالحق فهو الظاهر ، وما فيهما الباطن . [ فإذا دفنت فيها فأنت فيها وهي ظرفك ، وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى [ طه : 55 ] ، لاختلاف الوجوه ، مِنَ الْكافِرِينَ [ نوح : 26 ] ، الّذين وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ [ نوح : 7 ] ، و جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ [ نوح : 7 ] ، طلبا للسّتر ، لأنّه دعاهم ليغفر لهم ، والغفر السّتر ، دَيَّاراً [ نوح : 26 ] أحدا حتّى تعمّ المنفعة كما عمّت

--> ( 1 ) رواه الترمذي ( 5 / 403 ) ، وابن أبي عاصم في « السنة » ( 1 / 255 ) .