علي بن أحمد المهائمي
163
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
القلوب والنفوس ، ( أي : حيروهم ) مع علمهم بأن الإله واحد ، وقد ظهر في هذه المظاهر ، فتوهموا أنها المظاهر لا غير ، أو أنها المظاهر الكاملة التي تستحق العبادة ، أو أنها عين الظاهر من كل وجه حتى وقعوا ( في تعداد ) الوجود ( الواحد ) الحق ( بالوجوه والنسب ) أي : بظهوره في كل مظهر من وجه خاص ، وانتسابه إلى كل مظهر بنسبة خاصة ، فتوهموا أنه يستحق العبادة فيها فجعلوا كل واحد إلها عن الحيرة المذمومة . ويمكن أن يقال : ( وَقَدْ أَضَلُّوا [ نوح : 24 ] ، أي : الأصنام المذكورة من حيث هي مظاهر جلالية كثيرا من أهل الحجاب أي : حيروهم الحيرة المذمومة بلسان الحال فأوقعوهم في تعداد الإله الواحد عند ظهوره فيها بالوجوه والنسب فاعتبارهم مظهريتها لما فيها من معرفة الحق المتجلي فيها لم يفدهم فائدة التعريف بل أوقعهم في الضلال والإضلال . ويمكن أن يقال : وَقَدْ أَضَلُّوا [ نوح : 24 ] ، أي : المخبتون كَثِيراً [ نوح : 24 ] ، من العامة أي : حيروهم حين نطقوا بالتوحيد فتوهموا من ذلك إلهية الكل إذ تكلموا في تعداد الوجود الواحد بالوجوه والنسب يعني : أنهم أهل البشارة ، وإن وقعت منهم هذه العبارة الموهمة عند غلبة التوحيد عليهم فعلى هذا هو ليس من قول نوح المحكي في القرآن ، بل هو اقتباس موهم لطيف . ثم ذكر ما يدل على الحيرة المحمودة بطريق الإشارة مما تدل العبارة على الحيرة المذمومة أخذا بظهر القرآن وبطنه استيفاء بجميع مفهوماته ، فنزل ما هو بطريق الإشارة في حق الكل والذي بطريق العبارة نازل في حق الطغاة فقال : ( وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ [ نوح : 28 ] ) ، لم يتعرض للمفهوم الأول ، وهو تفسير الظالم بالشرك أو القاطع حق الغير لظهوره ، بل فسره بطريق الإشارة بما ورد في نص آخر بطريق التصريح ، وهو قوله تعالى : ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ [ فاطر : 32 ] ، ليكون ما دعا به نوح عليه السّلام دعاء شر على الطغاة بعينه دعاء خير للكمّل ؛ لئلا يخلو عن دعاء الخير في ضمن دعاء الشرك لئلا يتوهم كونه من النفوس الشريرة التي لا يدل ما يصدر عنها من الخوارق على صدقها . فقال : ( الْمُصْطَفَيْنَ [ ص : 47 ] ، الذين أورثوا الكتاب ) أي : أوتوا أسراره بطريق الوراثة لا الكسب والدراسة صاروا ظالمين لقطعهم على أنفسهم حظوظها من فضول الطعام والمنام والكلام ، فصاروا مصطفين بإنباء أسرار الكتب السماوية ، ( فهم ) أي : هذا الظالم المصطفى ( أول الثلاثة ) المذكورين في الآية المذكورة ( فقدمه ) لمزيد فضله