علي بن أحمد المهائمي
161
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
المحمّدي : « زدني فيك تحيّرا » « 1 » ، كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا [ البقرة : 20 ] ] . ( وفي أي : صورة ظهر ) من الصور الموجبة للحجاب ، والكشف الموجب لاعتقاد استحقاقها العبادة له فيها ، أو للمظاهر نفسها ( حتى عبد ) فالذات من حيث جلالها اقتضت ذلك ، وأرادت أن تعبد في هذه المظاهر ؛ ليقهر بذلك فيكمل ظهور قهره وجلاله ، ولا معنى لجعلها كالقبلة ؛ لأن القبلة هي الجهة التي يتوسل بالتوجه إليها في الظاهر إلى توجه الباطن إلى الحق ، وليس يحصل ذلك من هذه الأصنام بل عبادتها توجب ظلمات كثيفة نورت الميل إلى المحسوسات مع إنكار الكمالات الحقيقية ، كإنكار النبوة والأمور الأخروية على ما هو المشاهد من أهلها ، وإن كان المعبود في الكل واحد إذ لا تكثر هذه الصور المعبودة ( فإن التفريق والكثرة ) في صور المظاهر ( كالأعضاء ) أي : كتفريق الأعضاء وكثرتها ( في الصورة المحسوسة ) بجسد الإنسان ، ( وكالقوى المعنوية ) أي : وكتفريق القوى المعنوية وكثرتها ( في الصورة الروحانية ) مع أن مرجع الكل هو الإنسان الواحد بالشخص ، وإذ كان مرجع الكل هو اللّه ( فما عبد ) في الحقيقة ( غير اللّه في كل معبود ) . فلذلك أرادت الذات الإلهية أن تعبد في كل معبود ، وهو معنى قول أهل السنة : إن اللّه تعالى يريد الكفر من الكافر ، ولكن لا يرضى إلا الإسلام والتوحيد لأنه إنما تكمل حكمته في الظهور لا في الحجاب ؛ فلذلك قالوا : إن جلاله عاشق لجماله ، وإذا كان الكل يرجع إلى الحق الواحد مع التفريق فيه انقسم الناس إلى جاهل أدني يقتصر نظره على التفريق ، وعالم أعلى يعلم رجوع الكل إلى الحق ، وبينهما مراتب ( فالأدنى من تخيل فيه الألوهية ) فعبده لاعتقاد كونه إلها عنده بالحقيقة لا لكونه مظهرا إلهيّا ، فإن ذلك من الاعتقاد الأوسط وهو أيضا غالط من حيث تجويز عبادة المظهر ، أو جعله قبلة ( فلو لا هذا التخيل ما عبد الحجر ولا غيره ) ؛ لأنه لا يعرف المظهر ، وقد بيّنا غلط من جوز عبادة المظاهر . ( ولهذا ) أي : ولأجل أنه تخيل فيه الألوهية ، وأراد اللّه تعالى بيان فساد هذا التخيل ( قال ) لنبيه صلّى اللّه عليه وسلّم : ( قُلْ سَمُّوهُمْ [ الرعد : 33 ] ) ، أي : اذكروا ما وضع لها واضع اللغة من الألفاظ بإزاء ما فيها من المعاني ، وقبل منه ذلك في الإعصار كلها لموافقته الواقع ( فلو سموهم لسموهم حجرا وشجرا وكوكبا ) إذ لم يضع لها الواضع غيرها فدل على أنه ليس فيها شيء من معنى الألوهية ؛ ولكنهم يعتقدونها فيهم حتى ( لو قيل لهم : من عبدتم ، لقالوا : إلها ) فيقال : قد ناقضتم واضع اللغة بل أنفسكم حيث لم تسموها بالآلهة مع أنكم تعتقدون
--> ( 1 ) تقدم تخريجه ، وهو من الأحاديث الكشفية .