علي بن أحمد المهائمي
16
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
الإمام فخر الدين الرازي كان ذات يوم جالسا بين أحبابه وخواص أصحابه فبكى بكاء شديدا حتى كاد يغشى عليه ، وخاف من كان لديه ، فما أفاق وكفكف دمعه المهراق سأله بعض جلسائه عن سبب بكائه ؟ فقال : مسألة اعتقدتها منذ ثلاثين سنة تبين لي الساعة بدليل لاح لي أن الأمر على خلاف ما كان عندي فبكيت ، وقلت في نفسي : لعل الذي لاح لي الآن يكون مثل الأول ، فلما بلغ الشيخ محيي الدين رضي اللّه عنه ذلك انتهز الفرصة في إيقاظه بإعراضه عن العلوم النظرية ، والتعرض للنفحات الإلهية ، وقطع كل رابطة ، والأخذ عن اللّه تعالى بغير واسطة ، فكتب له من علمه المكنون رسالة من حقها أن تكتب بواد العيون ، وتلك الرسالة عندي ، وبأيدي الناس ، ولولا خوف الإطالة لذكرتها . فكانت سببا لاعتزاله ، وتبديل أقواله بأحواله ، وأثرت فيه غاية التأثير ، وأفاضت عليه كل خير كثير ، حتى قال : نهاية إقدام العقول عقال * وأكثر سعي العالمين ضلال وأرواحنا في وحشة من جسومنا * وحاصل دنيانا أذى ووبال ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا * سوى ما جمعنا منه من قيل وقال وكم قد رأينا من رجال ودولة * فبادوا جميعا مسرعين وزالوا وكم من جبال قد علت شرفاتها * رجال فزالوا ، والجبال جبال وأما الإمام شيخ مشايخ الإسلام الشيخ عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام رضي اللّه عنه « 1 »
--> ( 1 ) هو سلطان العلماء عبد العزيز بن عبد السلام . العلامة ذو الفنون . وحيد عصره ، عز الدين السلمي الدمشقي ثم المصري ، شيخ الشافعية ، وقدوة الصوفية ، أمام عزّه دائم ، وطائر فضله حائم ، وبحر كمال موجه زاخر ، وجوهر علومه فاخر . أخذ الفقه عن ابن عساكر ، والأصول عن الآمدي ، ورحل إلى بغداد ، وكان يلبس قبعا لبادا ، ويحضر به المواكب السلطانية بلا عمامة . ومن مؤلفاته : تفسير مختصر في مجلد ، والقواعد الكبرى والصغرى ، ومجاز القرآن ، وشجرة المعارف ، وشرح الأسماء الحسنى ، ومختصر النهاية ، والجمع بين الحاوي والنهاية ، والفتاوي الموصلية ، وغير ذلك . وسمع الحديث من ابن طبرزذ وغيره ، وعنه أخذ الدمياطي وابن دقيق العيد ، وهو الذي لقّب بسلطان العلماء ، والتاج الفركاح ، والباجي ، وخلق . وكان أولا ينكر على الصوفية ويقول : هل لنا طريق غير الكتاب والسنة ؟ فلما اجتمع بالشاذلي وذاق مذاهبهم ، وقطع السلسلة الحديد بالكراسة الورق ، صار يمدحهم ، بل دخل في عدادهم . مات بمصر سنة ستين وستمائة ، ودفن بالقرافة الكبرى في آخرها . انظر : ذيل الروضتين ( 216 ) ، ومرآة الزمان ( 1 / 505 ) ، وفيات الأعيان ( 95 ) ، وفوات الوفيات ( 2 / 350 ) ، مرآة الجنان ( 4 / 153 ) ، البداية والنهاية ( 13 / 235 ) .