علي بن أحمد المهائمي
13
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
الباب الأول : في أحواله وهذا الباب قد اعتنى به جم غفير ، وجمع كثير من فرسان أصحابه ، وأعيان أحبابه ، أذكر منه اليسير ، معرفا بالعجز والتقصير . اعلم أيدك اللّه بتوفيقه ، وأراك الحق بتحقيقه أن علماء التاريخ ذكروا أنه الشيخ الإمام ، قدوة الأنام ، عمدة الأحكام ، النور البسيط ، البحر المحيط ، ذو المواهب الإلهية ، والعطايا القدسية ، مفتي الطريقين ، حجة الفريقين ، سلطان العارفين ، برهان المحققين ، محيي الملة والدين ، أبو عبد اللّه محمد بن علي بن محمد بن أحمد بن علي الحاتمي الطائي الأندلسي ، المشهور بابن العربي ، أفاض اللّه علينا من بركات أسراره الطاهرة الزاهرة ، ما يبلغ بنا صلاح الأحوال ، وفلاح الأقوال في الدنيا والآخرة . لم يكن بالطويل ، ولا بالقصير ، لين اللحم ، بطنه بين الغلظة والرقة ، أبيض ، مشرب بحمرة وصفرة ، معتدل الشعر طويله ، ليس بالسبط ولا بالجعد ، ولا بالقطط ، أسيل الوجه ، أعين ، معتدل اللثة ، ليس في وركه ولا صلبه لحم ، خفي الصوت صافيه ، أغلظ منه ، وما رق في اعتداله ، طويل البنان ، سبط الكف ، قليل الكلام والضحك ؛ إلا عند الحاجة ، ميل طباعه إلى الصفراء والسوداء ، في نظره قدع ، ومشيه ليس بعجلان ولا بطيء . وقد أجمع علماء الفراسة على أن هذه الهيئة أحسن الهيئات ، وأعدل النشئات ، ولم تصح هذه الهيئة إلا لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ، وللشيخ محيي الدين رضي اللّه عنه . وكان مولده بمرسية ، بلدة من بلاد الأندلس ، ليلة الاثنين سابع عشر رمضان المعظم سنة ستين وخمسمائة ، ونشأ بها ، ثم انتقل إلى إشبيلية ، وهي تحت بلاد الأندلس ، سنة ثمان وستين ، فأقام بها إلى سنة ثمان وتسعين ، ثم دخل إلى بلاد المشرق ، وطاف جميعها ، وحج وجاور بمكة المشرفة سنين كثيرة ، وصنف بها كتبه ك « الفتوحات » وغيرها كما سيأتي . وكان من أبناء الملوك والأعيان ، ورؤساء ذلك الزمان ، وكان أبوه وزير صاحب إشبيلية سلطان المغرب ، فدعاه بعض الملوك من أصحاب والده ودعا جماعة من أبناء الملوك ، فلما حضر الشيخ محيي الدين رضي اللّه عنه وحضرت الجماعة وأخذوا حظهم من الأكل دارت عليهم أقداح الراح ، فوصل الدور إلى الشيخ محيي الدين رضي اللّه عنه وأخذ القدح بيده وأراد شربه ، فسمع قائلا يقول : يا محمد ، ما لهذا خلقت . فرمى بالقدح ، وخرج مدهوشا ، فلما وصل إلى باب داره ، رأى بالباب راعي غنم الوزير قد وصل بالتراب الذي عليه كل يوم ، فاستصحبه إلى ظاهر البلد ، وأخذ ثيابه فلبسها وأعطاه ثيابه ، وساح إلى أن وصل بعد ساعات إلى جبانة ، وكانت على نهر جار ، فقصد الإقامة بالجبانة ، فوجد في وسطها قبرا قد خسف به وانهدم وصار مثل المغارة الصغيرة ،