علي بن أحمد المهائمي

116

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

وغيره ، ولغنائهم ليس لهم سؤال العبودية وهؤلاء ، وإن عز شأنهم فلا اطلاع لهم على سر القدر لا إجمالا ولا تفصيلا . ثم أشار إلى من له ذلك فقال : ( ومن هؤلاء ) أي : الممتنعين عن السؤال ؛ لعلمهم بأن للّه فيهم سابقة قضاء ( من يعلم أن علم اللّه به ) الموجب لعطائه ( في جميع أحواله ) المتجددة عليه ذكر ذلك ليشير إلى أن اختلاف العطايا منوط باختلاف الأحوال ، وهو إنما يطلب عطاء متجددا مخالفا لما تقدم ( هو ) مقتضى ( ما كان ) الشخص ( عليه في حال ثبوت عينه ) في العلم الإلهي ، ولما كان عرف المتكلمين أن الثبوت : هو الوجود ربما أوهم أن المراد ذلك رفعه بقوله : ( قبل وجودها ) وذلك لأن الثبوت المذكور أزلي ، والوجود لها حادث ، والمقصود بيان أن تجدد الأقوال الوجودية عليه من مقتضيات عينه الثابتة قبل وجودها فلا يتغير عن ذلك . ومن هنا ( يعلم أن الحق لا يعطيه ) شيئا سواء سأله باللفظ ، أو الحال ، أو لم يسأل ( إلا ما أعطته ) أي : الحق ( عينه من العلم به ) أي : بما تقتضيه عينه ، وهو لا يقبل التغير لكونه أزليّا ، إذ ( هو ما كان عليه في حال ثبوته ) في العلم الإلهي الأزلي الذي لا يكون محلا للحوادث ( فيعلم ) هذا العبد أن ( علم اللّه به ) ، وإن كان أزليّا ؛ فهو ( من أين حصل ) ليس المراد : أنه انفعل عن عينه ، بل إنه لما كانت معرفة الشيء على ما هو عليه ، وكأنه أخذ منه فيترك السؤال من علمه أنه لا بدّ ، وأن يصل إليه مقتضى عينه بكلّ حال ، وهذا وإن كمل فقد خفي عليه أن عينه قد تقتضي أن يكون عطاؤها بعد سؤال منه بذلك ، وأنه قد يطالب بالسؤال عبودية ، ومع هذا ( ما ثمة ) أي : في تاركي السؤال ( صنف من أهل اللّه ) أشار بذلك إلى أنهم ، وإن تركوا العبودية بترك السؤال فلا يخرجون بذلك عن كونهم من أهل اللّه ( أعلى وأكشف من هذا الصنف ) ، وإن كان في غيرهم أعلى منهم ، وهو ممن يعمل بمقتضى الحال في السؤال ، وتركه أو يسأل للعبودية ( فهم الواقفون ) من بينهم ( على سر القدر ) ، وإن كان غيرهم أكثر وقوفا منهم . ولذلك قسّم الواقفين على سرّ القدر مطلقا « 1 » ؛ فقال : ( وهم على قسمين ) : ( منهم : من يعلم ذلك مجملا ) ، وهو أن كل ما يجري في العالم تابع للعلم الإلهي ، وتابع لمقتضيات أعيان الموجودات ؛ ولكن لا اطلاع له على تفاصيل ذلك لا من عين نفسه ولا غيره .

--> ( 1 ) القدر توقيت ما عليه الأشياء في عينها من غير مزيد من حضرة المقيت ؛ فإنّه يقدر أوقات الأوقات صورية ومعنوية ، فما حكم القضاء قدره هذا الاسم تقدير العزيز الحكيم وهذا هو عين سر القدر . فهمّ الواقفون الحاضرون لهذا التوقيت على مقتضى الاستعداد ، والمطلعون على أصله وفرعه ، ولهذا المقام إجمال وتفصيل ، منهم من يعلم ذلك تفصيلا .