علي بن أحمد المهائمي

107

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

الفصّ الشيثي فصّ حكمة نفثية في كلمة شيثية أي : ما يتزين به ، ويكمل العلم اليقيني المتعلق بالنفث « 1 » الإلهي المسمي بالنفس الرحماني الذي به ظهرت آثار الأسماء الإلهية بطريق التنفس عنها لكونها حينئذ في تلك الأسماء بالقوة ، فكانت كالكرب ، فأخرجها بطريق التنفس ونسب النفس إلى الرحمن ؛ لأنه الاسم الكلى الذي به ظهرت تلك الآثار المسماة بالعطايا والمنح والهبات ، ولم يكن ظهور الأسماء بذلك ؛ لأنها لم تكن كالكرب في الذات لظهورها لها أزلا وأبدا بخلاف آثارها المتوقفة على وجود الحوادث ، ظهر ذلك العلم بزينتيه وكماله في الحقيقة الجامعة المنسوبة إلى شيث عليه السّلام ؛ لأنه أول من ظهر بهذا العلم ، وهو الممد لكل من يتكلم فيه بعده غير الخاتم ، وكان عطاء كاملا لآدم عليه السّلام ؛ لأنه أول نبي في ذريته ، ولهذا سمّي شيثا ؛ لأن معناه بالعبرية هبة اللّه ، وكان خروجه من آدم كخروج النفس ؛ لأنه أول من ظهر سره فتم فيه هذا المعنى من حيث ذاته وعلمه واسمه وإمداده وحصوله من أبيه . [ اعلم أنّ العطايا والمنح الظّاهرة في الكون على أيدي العباد وعلى غير أيديهم على قسمين : منها ما تكون عطايا ذاتيّة وعطايا أسمائيّة وتتميّز عند أهل الأذواق ، كما أنّ منها ما يكون عن سؤال في معيّن وعن سؤال في غير معيّن ، ومنها ما لا يكون عن سؤال ، سواء كانت الأعطية ذاتية أو أسمائيّة ، فالمعيّن كمن يقول : يا ربّ أعطني كذا فيعيّن أمرا ما لا يخطر له سواه ، وغير المعيّن كمن يقول : يا ربّ أعطني ما تعلم فيه مصلحتي من غير تعيين لكلّ جزء من ذاتي من لطيف وكثيف ] . ( اعلم أن العطايا والمنح ) الفرق بينهما أنّ العطايا تختص بما يوهب فيه الأصل ، والمنافع والمنح تعم ما يوهب فيه المنفعة وحدها ، إذ يقال : المنحة للناقة التي يباح لبنها سنة ثم يرد إلى مالكها ( الظاهرة في الكون ) أي : الزائدة على أصل الوجود ولوازمه ، فإنها من صور الأسماء ، والمراد هنا آثارها ( على أيدي العباد وعلى غير أيديهم ) ، ذكر ذلك ليشعر من أول الأمر أنّ العطايا الذاتية يجوز كونها بالواسطة إذ لا تأثير لها ، وإن كانت السنة الإلهية جارية بفعل المسببات عند تحقق أسبابها ، لكن ليس فعله بها ( على قسمين : عطايا ذاتية ) أي : منسوبة إلى الذات لعدم الاسم الذي هو الواسطة ، أو لانتسابها إلى اسم

--> ( 1 ) ( النّفث ) بسكون الفاء والثاء المثلثة إرسال النّفس وجوامع رتق ، فلا يكون النفث إلا ريحا لا بد من ذلك ، حتى يعم : أي يشمل المادة والصورة فكما أعطاه من روحه بريحه ، أعطاه من نشأته الطبيعية من ريقه ، فجمع له الكل في النفث بخلاف النفخ ، فإنه ريح مجردة . فالنفث هنا عبارة عن إفاضة النّفس الرحماني الذي يحيي به كل موجود وعلى قلب ذلك النبي صلّى اللّه عليه وسلّم .