علي بن أحمد المهائمي

58

مشرع الخصوص إلى معاني النصوص ( النصوص في تحقيق الطور المخصوص )

مقام الاستقامة هو أحدية الجمع والفرق ، بشهود اندراج الحق في الخلق ، واضمحلال الخلق في الحق حتى يرى العين الواحدة في صورة الكثرة ، والصور الكثيرة في عين الوحدة . والمعرفة تقال على معنيين : أحدهما : العلم بأمر باطن ؛ ليستدل عليه بأمر ظاهر ، كما لو سميت شخصا فعلمت باطن أمره بعلامة ظاهرة منه ، كما قيل للنبي صلى اللّه عليه وسلم : فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ [ محمد : 30 ] . وثانيهما : العلم بمشهود سبق به عهد ، كما رأيت شخصا رأيته قبل ذلك بمدّة ، فعلمت أنه ذلك المعهود ، فقلت عرفته بعد كذا سنة ، فالمعروف على حسب مراتب الوجود ، وهي ستة : مرتبة الذات الأحدية ، ومرتبة الحضرة الإلهية الواحدية ، ومرتبة المعاني المجردة ، ومرتبة الأرواح ، ومرتبة عالم المثال ، ومرتبة عالم الشهادة ، ومرتبة كون الجامع وهو الإنسان الكامل ، وفي كل واحد منها تفاصيل كثيرة جدّا . وأما تفاوت درجات الطالبين فيها ، فهي إن من العارفين من لا طريق له إلى معرفته سوى الاستدلال بفعله على صفته ، وبصفته على اسمه ، وباسمه على ذاته : أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ [ فصلت : 44 ] ، ومنهم من تحمله العناية الأزلية ، فتطرقه إلى حريم الشهود ، فيشهد المعروف تعالى بعد المشاهدة السابقة في معرفة : أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ [ الأعراف : 172 ] ، ويعرف به أسماءه وصفاته وعكس ما يعرفه العارف الأول ، وبينهما بون بين ، إذ الأول بغيبة معروفة كنائم يرى خيالا غير مطابق للواقع ، والثاني بشهود معروف كمتيقظ يرى مشهودا حقيقيا مطابقا له . والحق سبحانه واحد في الذات والصفات والأسماء والأفعال ، بمعنى أن كل شيء نسب إليه ذات أو صفة أو اسم أو فعل ، فنسبتها مجازية ؛ لأنها في الحقيقة عكوس أنوار تجليات الذات والصفات الأزلية والأسماء والأفعال الإلهية من مظاهر الكون ، وليس بمظاهرها شيء منها حقيقة كما للمرآة من الصور المتجلية فيها ، فالسمع والبصر من الصفات في أي موصوف كان هو اللّه حقيقة لقوله تعالى : وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [ الشورى : 11 ] ، وإظهار الحق سبحانه وتعالى سر ذاته وصفاته وأفعاله ، ما كان لخفائه عليه قبل ذلك ؛ ولكن ليتجلى باسمه الظاهر آخرا ، كما كان متجليا باسمه الباطن أولا ، ثم