علي بن أحمد المهائمي

39

مشرع الخصوص إلى معاني النصوص ( النصوص في تحقيق الطور المخصوص )

الفصل الثاني في البراهين العقلية على وجود الواجب اعلم أن جمهور العارفين اقتصروا على الأدلة الكشفية ، أي الضرورية الوجدانية ؛ لرفع الحجب الظلمانية ، وبالمجاهدة التي مقدمة الهداية في قوله عزّ وجل : وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا [ العنكبوت : 69 ] ، وبالتقوى : وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ [ البقرة : 282 ] ، وبكمال التوجه إلى اللّه تعالى ، ولم يرتبوا المقدمات النظرية ؛ لما أنها توقع أهلها في الحيرة المذمومة بإثارة الشبهات المظلمة ؛ إلا من عصمه اللّه بالقوة القدسية والملكات الملكية ، المؤيدة للقوة الحدسية ؛ إلا أن العامة لما بالغوا في الإنكار عليها ، وزعموا أن فيها القطع ببطلان جميع الأحكام - العقلية والحسية والفطرية الغريزية - عقيب المجاهدات الجزافية ؛ فمنشأها استحكام سوء المزاج في موضوعات القوة النفسانية ، وإحراق المواد الصالحة المثيرة للوساوس الخيالية ، واستيلاء المرّة السوداوية ، وغلبة الجنون والمياليخوليا ، وكان ذلك موقعا لهم في الشرك الخفي ، وسببا لخوف سوء الخاتمة ، كما نقله الغزالي عن بعض العارفين ، ودل الحديث النبوي على أنهم أهل العزة باللّه ؛ وجب إيراد تلك المقدمات ورفع ما يستدرجهم من الشبهات ؛ لعلهم يقفون عن الإنكار ، أو ينقلبون إلى الإبصار . فنقول : هاهنا مقامان : أحدهما في تحقق الوجود المطلق ، والثاني وجوبه بالذات . المقام الأول : اعلم أن تحقق الوجود عن الأفكار أظهر من تحقق النور الحسي عند الإبصار ؛ لكن شدة ظهوره عكست فيه الأمر إلى ضده ، كما أن نور الشمس لما بلغ غاية الإشراق ؛ ظن بعض الخلائق أنه ليس وراء الألوان شيء وراءه ؛ لكن غروب الشمس ظل ضروريا بين محل الظل وموقع الضياء ، وليس كذلك الوجود الذي هو نور الأنوار ؛ لدوام حضوره مع الأشياء على نسق واحد ، فأنكر كثير من مهرة النظار تحققه في الخارج ، وزعموا أن ليس فيه إلا الماهيات ، وإنما هو من المعقولات الثانية والاعتبارات العقلية المحضة ، وكل ذلك لكون النهاية تشبه البداية ؛ لا متناع التحقق ورائها وامتناعه دونها ، والامتناعان يتحدان في تحققه ويختلفان في النسبة ، فلم يكن بد من كشف ما اشتبه عليهم .