علي بن أحمد المهائمي

213

مشرع الخصوص إلى معاني النصوص ( النصوص في تحقيق الطور المخصوص )

بما قال رضي اللّه عنه : [ وكما له نفس وجوده الذاتي الثابت له من نفسه لا من سواه ، وحياته وقدرته عين علمه ، وعلمه بالأشياء أزلا عين علمه بنفسه : بمعنى أنه علم نفسه بنفسه ، وعلم كل شيء بنفس علمه بنفسه ] . أي : والكمال الثابت له في الأحدية والتعين الأول ، وهو نفس وجوده الذي هو مقتضى ذاته ، فالكمال أيضا ثابت له من نفسه ؛ وذلك لأن النقص لما كان هو العدم ، كان الكمال هو الوجود والوجود ثابت له من نفسه لا من سواه ؛ لأنه عين نفسه ، إذ لو كان غيره ، لكان الوجود حاصلا مما هو سوى الوجود ، فلم يكن واجبا لذاته ، وكذا حياته وقدرته عين علمه بنفسه ؛ وذلك لأن كل ما يشعر بذاته ، يسمى حيّا ، وما لا يشعر . ومعنى القدرة أن يفعل ما يشاء وفعله معلوم ، فما علم وجوده فعل ، وما لا ، فلا . وأما رجوع الإرادة والسمع والبصر والكلام إلى العلم فظاهر ، فهذه الصفات راجعة إلى العلم وعلمه بنفسه عين نفسه على ما مرّ بقي الكلام في علمه بالأشياء . فقال رضي اللّه عنه : [ وعلمه بالأشياء عين علمه بنفسه أيضا ] ؛ وذلك لأنه عزّ وجلّ علم نفسه بنفسه لا بمثال زائد على نفسه حتى يقال : علم نفسه بعلم زائد ، وعلمه بالأشياء أزلا عين علمه بنفسه ؛ لأن الأشياء عبارة عن الوجود والحقائق والوجود عين نفسه ، والحقائق صور علمه ، وصور العلم لا تغاير العلم في المرتبة الأزلية . ولذلك قيد بقوله : أزلا ؛ وذلك لأن الكل في الوجود نفسه نفس الوجود ، وإذا كان كذلك ، فلا نعت ولا صفة تتميز هناك . ثم استشعر سؤالا بأنه كيف يكون عين هذه الأشياء المختلفة المتكثرة مع غاية وحدته وبساطته ، فأشار إلى دفعه بما قال رضي اللّه عنه [ تتحد فيه المختلفات ، وتنبعث منه المتكثرات ، هي دون أن تحويه أو يحويها أو تبديه عن بطون متقدم أو هو من نفسه يبرزها ، فيبديها له وحدة هي محتد كل كثرة وبساطة هي عين كل تركيب آخر ، وأول مرة كل ما يتناقض في حق غيره ، فهو له على أكمل الوجوه ثابت ] . يعني : أن المختلفات من حيث الماهيات تتحد من حيث الوجود ؛ لاشتراكه فيها وتنبعث منه المتكثرات ، فأصل كثرتها وحدته ، فالكثرة في المرتبة الأولى كانت وحدة ، ثم صارت كثرة تنسب إلى ماهياتها ، لكن كثرة نسبته إلى تلك الماهيات ليس بطريق المحلية