علي بن أحمد المهائمي
206
مشرع الخصوص إلى معاني النصوص ( النصوص في تحقيق الطور المخصوص )
موجودا واحدا من جميع الوجوه ، فإن المعلول لا بدّ من وجود صدر عن الواجب ، وماهية يقبله من إمكان ، فيجوز أن يصدر من المعلول الأول لكل جزء وشيء آخر . وإذا عرفت هذا ، فنقول : إنما قال المصنف رضي اللّه عنه : « لا استحالة إظهار الواحد ؛ لئلا يتوهم أن الواحد إنما يمتنع عنه صدور الواحد ، لإظهاره عن مذهب الصوفية في الأشياء ، فأشار إليه ليفهم العموم صريحا ، ثم لما كان هذا المذهب إلى امتناع صدور أكثر من واحد ، من الواحد من كل الوجوه محل تشنيع العلماء ؛ لاستلزامه وجود الأشياء المتوسطة بين الحق والحوادث اليومية ، وغيرها بحيث يعجز عن إيجاد بدون مشرب هذه الطائفة ، فلذلك كفّروا القائلين به من الفلاسفة ، منع الشيخ رضي اللّه عنه ما يستلزم ذلك من قبول الأصل ، فقال : لكن ذلك الواحد عندنا هو الوجود العالم المطلق البسيط ، وتكثره لا ينافي وحدته الحقيقية ، كذلك النسب والرقائق في العقل الأول ، فهذا الوجود فاض على جميع أعيان الممكنات ، والحقائق الثابتة لها في العلم الأزلي ، فأبعد منها في الحال والماضي لم توجد ، فإنه محال وإن كان بالغير ، وقد سبق العلم الأزلي بأنه لا يوجد ، ولكن العلم الأزلي يتعلق بوجود الأشياء ، وكذلك تعلق بذلك الوجود العام في الأزل بالقوة ، ولكن ظهورها بالفعل تابع للنظام ، ويتعلق العلم بكل شيء وعلى ما هو عليه . وهذا الوجود العام مشترك بين القلم الأعلى الذي هو أول موجود بذلك الوجود العام ، كما ورد في الحديث : « أول ما خلق اللّه القلم » « 1 » . وهو المسمى بالعقل الأول ، حيث قال صلى اللّه عليه وسلم : « أول ما خلق اللّه العقل » « 2 » ، وسمي قلما ؛ لأنه مبدأ التدوين والتسطير . وعقلا بكونه مجردا ، ولبيان سائر الموجودات حتى الحوادث اليومية حتى يستند الجميع إلى اللّه تعالى بلا واسطة وليس معلوله عزّ وجلّ منحصرا فيه ، كما يقوله أهل النظر من الفلاسفة « 3 » . قيد أهل النظر لهم ؛ لأن سائر المتكلمين غير المعتزلة ينفون الفرع مع الأصل ؛
--> ( 1 ) رواه أبو داود ( 4 / 225 ) . ( 2 ) رواه الطبراني في الكبير ( 8 / 283 ) ، وفي الأوسط ( 7 / 190 ) . ( 3 ) انظر : الفتوحات المكية ( 4 / 87 ) .