علي بن أحمد المهائمي
196
مشرع الخصوص إلى معاني النصوص ( النصوص في تحقيق الطور المخصوص )
البعوض بإبرة البحر الأخضر إعداما له ، وإحداثا لبحرين آخرين ضرورة . قلنا : إنما يمكن التفريق إعداما لو كان مبدأ للوحدة ، فإن وحدة البحر أيضا باقية ، سلمنا أنه يكثر ، فقد عدم من حيث الوحدة ، وإحداث البحرين ، أي : صفة جعلت لبحرين قبل الأحداث لا يكون محض عدم ، وإن كانت غير الوجود ، فلم يذكر الدلالة على مفهوم الوحدة المقابلة للكثرة ، وهي أن يكون مفروضها شخصا لا يقبل القسمة بالوحدة والكثرة ، فيه يتحدان من غير أن تتعدد ذات الواجب تعالى . قال الشيخ الكبير رضي اللّه عنه : [ وإذا عرفت هذا ، فنقول أنه سبحانه من حيث اعتبار وحدته المنبه عليها ، وتجرده عن المظاهر وعن الأوصاف المضافة إليه من حيث المظاهر وظهوره فيها ، لا يدرك ولا يحاط به ولا يعرف ولا ينعت ولا يوصف ] . أي : إذا عرفت أنه محض الوجود لا اختلاف فيه ، وأن وحدته ليست في مقابلة الكثرة ، فنقول : أن الحق سبحانه وتعالى من حيث اعتبار وحدته المنبه عليها قيد بذلك ؛ لإمكان معرفته من جهة الوحدة التي له في الصفات التي لا يدرك إدراكا تاما ؛ لأنه يقتضي تميزه عما عداه ، وما لا ضد له كيف تميز عما عداه ولا يحاط به بالتعريف الحدّي ، إذ لا ذاتيات فيه لتعريفها على الاختلاف في ذاته من الجنس والفصل ، ولا التعريف الرسمي ، إذ لا عبرة للوازم في تلك الحضرة ، بل ولا ينعت نعتا يميزه بوجه ذاتي ، ولا يوصف بوصف يميزه بوجه عرضي ، إذ لا عبرة لها ، وهكذا من حيث اعتبار تجرده عن المظاهر ، وهي أوصافه باعتبار ، ولا باعتبار ذاته ، إذ لا يتقيد بشيء تميزه حينئذ ، وجميع ما ذكرناه باعتبار التميز ، فافهم . قال الشيخ رضي اللّه عنه : [ وكل ما يدرك في الأعيان ، ويشهد من الأكوان بأي وجه كان أدركه الإنسان ، وفي أي حضرة حصل الشهود ، ما عدا الإدراك المتعلق بالمعاني المجردة والحقائق في حضرة غيبها بطريق الكشف ؛ ولذلك قلت في الأعيان ، أي : ما أدرك في مظهر ما كان ، فإنما ذلك المدرك ألوان وأضواء وسطوح مختلفة الكيفية متفاوتة الكمية ، تظهر أو مثلتها في عالم المثال المتصل بنشأة الإنسان أو المنفصل عنه من وجه على نحو ما هو في الخارج ، أو ما مفرداته في الخارج ، وكثرة الجميع محسوسة ، والأحدية فيها معقولة أو محدوسة ، وكل ذلك أحكام الوجود أو قل صور نسب علمه أو صفات لازمة له بحيث