علي بن أحمد المهائمي
190
مشرع الخصوص إلى معاني النصوص ( النصوص في تحقيق الطور المخصوص )
ذلك فإنهم قد تجاوزوا حضرات الأسماء والصفات والتجليات الخصيصة بها إلى عرصة التجلي الذاتي ، فهم كما أخبر النبي صلى اللّه عليه وسلم عن شأنهم بقوله : « صنف من أهل الجنة ، لا يستتر الرب عنهم ، ولا يحتجب » « 1 » ، وذلك أنهم غير محصورين في الجنة وغيرها من العوالم والحضرات كما قد أشرت إليه في غير هذا الموضع ، من أن الجنة لا تسع إنسانا كاملا ولا غير الجنة ، فهم وإن ظهروا فيما شاءوا من المظاهر ، فإنهم منزهون عن الحصر والقيود ، والأمكنة والأزمنة ، كسيدهم ، بل هم معه أينما كان ، وحيث لا أين ولا حيث ولا جرم ولا بعد ولا حجاب ولا انتقال لزيارة ولا انتهاء بحكم وقت من الأوقات والسماء والصفات ، فافهم واجتهد ، وتمنّ أن تلحق بهم ، وأن تشاركهم في بعض مراتبهم العلية : فإن اللّه ولي الإحسان ] . هذا يقابل قوله فيما تقدم : [ وأول مراتب مظاهر الأرواح الإلهية ما عدا الكمّل عالم المثال ، فقال : خفاء لهم في الظهور فيما ذكرنا من عالم المثال ، ومن الصور الخيالية ومآكلها ومشاربها والخلع والتحف وكثيب الرؤية وغير ذلك ، بخلاف حال الجمهور إذ حال الجمهور يتقيد لحضرات الأسماء والصفات ، وما دونها من التجليات الخصيصة بها لعالم المثال وغيره ، وهؤلاء قد تجاوزوا حضرات الأسماء والصفات إلى عرصة التجلي الذاتي ، فلهم من المناسبة الذاتية أعلى المراتب بحيث لا دخل للأسماء فيها ؛ فهم كما أخبر النبي عليه السلام عنهم ، صنف من أهل الجنة لا يتستر الرب عنهم أي : حينا من الأحيان ، ولا يحتجب بجهة من الجهات عند التجلي عليهم . وسبب عدم التستر والاحتجاب أنهم لا يتقيدون بمظهر سواء الجنة وغيرها من العوالم والحضرات ؛ وذلك لأن كل مقيد ضيق والإنسان الكامل واسع بسعة ربه ، فله بكل مكان مظهر من غير تقيد به ، فهم وإن ظهروا فيما شاءوا من المظاهر لا يتقيدون به ، وكذا لا يتقيدون بالأمكنة والأزمنة ، وإلا تقيدوا بها ، وأنهم لتسترهم في الظهور في كل مكان وزمان ، مع عدم التقيد ، بل هم معه في كل مكان وزمان ، وحيث لامكان ولا جهة ، بل صاروا مظاهر كلية لربهم بجميع تجلياته ، لا جرم لا بعد لهم ولا حجاب عنه بوجه من الوجوه ، فكذا لا انتقال عليهم لزيارة لما فيه من التخصيص بالمكان ، وهم منزهون عنه ،
--> ( 1 ) رواه الحكيم الترمذي في النوادر ( 1 / 101 ) بلفظ : ( إن المتقين في الجنة ) بدلا من ( صنف . . ) .