علي بن أحمد المهائمي
17
مشرع الخصوص إلى معاني النصوص ( النصوص في تحقيق الطور المخصوص )
معرفة اللّه تعالى : اعلم أن أظهر الموجودات وأجلاها هو اللّه تعالى . ثم قال : فإن ما تقصر عن فهمه عقولنا فله سببان : أحدهما خفاؤه في نفسه وغموضه ، وذلك لا يخفى مثاله ، والآخر : ما يتناهى وضوحه ، وهذا كما أن الخفّاش يبصر بالليل ولا يبصر بالنهار ، لا لخفاء النهار واستتاره ؛ لكن لشدة ظهوره ، فكذلك عقولنا ضعيفة ، وجمال الحضرة الإلهية في نهاية الإشراق والاستنارة ، وفي غاية الاستغراق والشمول ، حتى لم يشذ عن ظهوره ذرة في ملكوت السماوات والأرض ، فصار ظهوره سبب خفائه ؛ فسبحان من احتجب بإشراق نوره ، واختفى عن البصائر والأبصار بظهوره ، ولا تتعجب من اختفاء ذلك بسبب الظهور ؛ فإن الأشياء تستبان بأضدادها ، وما عم وجوده حتى أنه لا ضدّ له عسر إدراكه . ثم قال : فاللّه تعالى هو أظهر الأمور ، وبه ظهرت الأشياء كلها ، فلو كان له عدم أو غيبة أو تغير ؛ لا نهدمت السماوات والأرض ، وبطل الملك والملكوت ، ولأدرك به التفرقة بين الحالين ، ولو كانت بعض الأشياء موجودة به ، وبعضها موجودة بغيره ؛ لأدركت التفرقة بين الشيئين في الدلالة ؛ ولكن دلالته عامة في الأشياء على نسق واحد ، ووجوده دائم في الأحوال يستحيل خلافه ، فلا جرم أورثت شدة ظهوره خفاء ، فهذا هو السبب في قصور الأفهام ، فأما من قويت بصيرته ولم تضعف همته ؛ فإنه في حال اعتدال أمره لا يرى إلا اللّه ، ولا يعرف غير اللّه ، ويعلم أنه ليس في الوجود إلا اللّه ، وأفعاله أثر من آثار قدرته ، فهي تابعة له ، فلا وجود بالحقيقة دونه ؛ وإنما الوجود للواحد الحق الذي به وجود الأفعال كلها . ومن هذا حاله ، فلا ينظر في شيء من الأفعال إلا ويرى فيه الفاعل ، ويذهل عن الفعل من حيث أنه سماء وأرض وحيوان ونبات وشجر . ثم قال : وكان هو الموحد الحق الذي لا يرى إلا اللّه ، بل لا ينظر إلى نفسه من حيث نفسه ، بل من حيث أنه عبد اللّه ؛ فهو الذي يقال فيه : أنه فني في التوحيد ، وأنه فني عن نفسه ، وإليه الإشارة بقول من قال : كنا بنا ، ففنينا عنا ، فبقينا بلا نحن ، ثم قال : ولذلك قيل : لقد ظهرت فما تخفى على أحد * إلّا على أكمه لا يعرف القمرا لكن بطنت بما أظهرت محتجبا * فكيف يعرف من بالعين استترا