عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
61
الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم ( ويليه مراتب الوجود وحقيقة كل موجود ونسيم السحر )
حكما لا غيبا « 1 » . النوع الثالث : حياة بهيمية وهذه الحياة هي الحرارة والرطوبة الغريزتان الكامنتان في الدم الجاري في تجاويف الكبد ، وهو المعبر عنه من نفس الحيوانية ، ولا يدخل عليك الغلط فيما تراه من عدم وجود الدم في بعض الحيوان ، فإن له مادة تقوم مقام الدم حرارة ورطوبة وكذلك بعض الحيوان ليس له كبد وله عضو رئيسي يقوم مقام الكبد فيصرف الغذاء في جسمه كما يتصرف الكبد في الأجسام الحيوانية . النوع الرابع : حياة عارضة وهي الكمالات الحاصلة بحسب الأمر الوارد عليه كالعلم فإنه حياة للجهل ، وكالربيع فإنه حياة للأرض ، وكوقوع نور الشمس على جرم القمر فإنه حياة له ، وكإشراق ضوء الشمس على وجه الأرض فإن ذلك حياة لها ، وهذا الأمر كثير جدا لا يمكن حصره . النوع الخامس : حياة الهيئة الأصلية اللازمة التي هي من كل الوجوه وبكل الاعتبارات في غاية ما يكون من الكمال ، فهذه أنواع الحياة ، فمن الموجودات ما فيه نوع واحد ، ومنها ما فيه نوعان وثلاثة وأربعة ، وأما جمعها بالإحاطة الخمسة أنواع فإنه لا يكون إلا للإنسان الكامل فقط ، فهو حامل لجميع أنواع الحياة ولا يجوز أن يكون ذلك لغيره فالإنسان الكامل له مرتبة الجمع دون ما سواه ، وهذا أوان الكلام فيه واللّه تعالى أعلم . المرتبة الأربعون : الإنسان « 2 » وفائدة معرفة النفس من مراتب الوجود هي الإنسان وبه تمت المراتب وكمل العالم وظهر الحق
--> ( 1 ) كذا بالأصل والصواب ( عيانا ) . ( 2 ) يقصد الجيلي الإنسان بشكل عام والإنسان الكامل بشكل خاص وهو سيدنا محمد صلى اللّه عليه وسلم ويقول الجيلي في كتاب « الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل » موضحا ذلك : « إن أفراد النوع الإنساني في كل واحد منهم نسخة للآخر بكماله لا يفقد في أحد منهم مما في الآخر شيء إلا بحسب العارض ، كمن تقطع يداه ورجلاه ، أو يخلق أعمى لما عرض له في بطن أمه ، ومتى لم يحصل العارض فهم كمرآتين متقابلتين يوجد في كل واحد منهما ما يوجد في الأخرى ، ولكن منهم من تكون الأشياء فيه بالقوة ، ومنهم من تكون فيه بالفعل وهم الكمل من الأنبياء والأولياء ، ثم إنهم متفاوتون في الكمال فمنهم الكامل والأكمل ، ولم يتعين أحد منهم بما تعين به محمد صلى اللّه عليه وسلم في هذا الوجود من الكمال الذي قطع له بانفراده فيه ، شهدت له بذلك أخلاقه وأحواله وأفعاله وبعض أقواله ، فهو الإنسان الكامل والباقون من الأنبياء والأولياء والكمل صلوات اللّه عليهم ملحقون به لحوق -