عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

43

الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم ( ويليه مراتب الوجود وحقيقة كل موجود ونسيم السحر )

تميزا كليا ومن هنا سميت بمنشأ الكثرة الوجودية ، وحضرة التعينات الإلهية ، وحضرة جمع الجمع ، ومجلى الأسماء والصفات ، والحضرة الأكملية ، ومرتبة المراتب ، سميت بهذا الاسم لأن المراتب كلها تتعين وتظهر فيها بحكم التمييز ، وهي المعطية لكل من الأسماء والصفات والشؤون والاعتبارات والإضافات حقها على التمام والكمال . المرتبة الخامسة الوجود الساري من مراتب الوجود هي الرحمانية المعبر عنها بالوجود الساري الذي أشار إليه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بنفس الرحمان « 1 » ، وهذه هي الحضرة الرحمانية التي وسعت كل شيء ، فوسعت الكثرة الإلهية التي هي الأسماء والصفات وإظهار آثارها ، ووسعت الكثرة الكونية التي هي المركبات بترجيح وجودها على العدم حتى أوجدت فعمت الجميع بالرحمة ، ولهذا قال تعالى : وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ [ الأعراف : 156 ] . المرتبة السادسة الربوبية من مراتب الوجود هي الربوبية ، وفيها يتعين وجود العبودية ويظهر موقع الجلال والجمال لتأثير الهيبة والأنس ، وهي الحضرة الكمالية والمنصة العظموتية ، وهي المجلى الأقدس المحيط بالنظر القدسي والمشهد المقدس ، وإليها ترجع أسماء التنزيه وبها يختص التقديس ، وهي المعبر عنها بحضرة القدس ، ومن هذه الحضرة أرسلت الرسل وشرعت الشرائع وأنزلت الكتب وتعينت المجازات إما بالنعيم للمطيع وإما بالعذاب للعاصي ، وهي محتد الرسل والأنبياء صلوات اللّه وسلامه عليهم ، من حيث النبوة والرسالة لا من حيث حقائقهم ، ولهذا قال إبراهيم عليه الصلاة والسلام لربه عز وجل : رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى [ البقرة : 260 ] ، وقال موسى صلى اللّه عليه وسلم : رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ [ الأعراف : 143 ] ، قال تعالى عن سيدنا محمد صلى اللّه عليه وسلم : لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى ( 18 ) [ النجم : 18 ] فمرجع النبوة والرسالة إلى الربوبية ولها التعالى المطلق . ولهذا قال تعالى لموسى عليه السلام : لن تراني ؛ لأنه خاطبه في تجلي

--> ( 1 ) يشير إلى قوله صلى اللّه عليه وسلم : « إني لأجد نفس الرحمن من قبل اليمن » . كشف الخفاء للعجلوني ، حديث رقم ( 800 ) ، طبعة دار الكتب العلمية بيروت .